في الأيام القليلة الماضية، دخل العالم الافتراضي في جدال حول فيديو كليب «ويكفيني» الذي يحكي ألم زوجة شهيد لفراق زوجها. انقسم المتابعون بين مدافع ومهاجم للفكرة، وتراوحت ملاحظاتهم بين الأساسية التي تتناول أصل «جواز» صناعة فيديو كليب إسلامي والشكلية التي قاربت التفاصيل الفنية و «الشرعية» الدقيقة للعمل.
وبعيداً عن هذا الجدال، المتابع للمرجعيات الشيعية التي تضطلع بإصدار الفتاوى، يلاحظ شبه توافق حول حرمة الغناء والموسيقى التي تثير «الشهوة». بالطبع، من مسؤولية المكلفين غالباً مطابقة الفتوى على الواقع من أجل استخلاص الحكم الشرعي، ما يترك هامشاً تفسيرياً لا بأس به. من المفترض بهذا الهامش أن يمكّن نظريا المؤسسات والأفراد من تبني مقاربة محددة لمنطوق «الشهوة»، ما يساعد على إتاحة الإمكانية للبيئة المتدينة لتلقي جرعة كبيرة من الفن الذي يعيش في العالم الخارجي غير المتدين. يُعتبر هذا مكسباً بالغ الأهمية، لا سيما أن الفن هو إحدى الطرق الأساسية التي تعرّف وتعبّر بها الهويات عن شخصيتها الاعتبارية.
من الحوادث المفارقة هي امتناع الإعلام الرسمي للمقاومة عن بث تحية جوليا بطرس الغنائية إثر حرب تموز 2006. لا شك أن حجة المانع الشرعي يجب احترامها لاقتران هذا الاحترام بحق الإنسان عموماً بتعريف مجاله الروحي. في المقابل، هجران الجهود التي من المفترض أن تعمل بشجاعة على مأسسة نوع من الفهم الناضج لمعايير إثارة «الشهوة» ليس مفهوماً. معلومٌ أن للاصطدام بالمحافظين الذين يستأنسون بالجلوس على يمين الراهن الكاسد ضريبته، التي قد يحاجج البعض بأن الظرف غير مناسب لتكبدها. لكننا في هذا الجزء من العالم مداومون على الظروف غير المناسبة. ربما في الأمر كسل معرفي يجعل المعنيين أقرب إلى تعطيل آليات عصرنة وتحديث، يُفترض بها أن تكون تلقائية من أجل تجنب الاحتكاك المكلف. في المقابل، تخسر المقاومة فرصة الوصول إلى الجميع. وقبل ذلك، تخسر إمكانية المبادرة مع ما يعني ذلك من فرصة التحكم ببيئة المتغيرات. فإذا لم يقرر «حزب الله» تحديداً الذهاب إلى الموسيقى، سوف تأتي هي إليه. والمقصود هو الموسيقى بمعناها الواسع الذي ليس بإمكانه أن يكون واسعاً كفاية من دون الكثير من أعمال جوليا وفيروز وغيرهما. وإذا كان الذهاب بشروطه، فإن قدوم الموسيقى سيكون بشروطها هي لا شروطه. هذه معادلة صفرية، وقرار تعليق الانتساب إلى أحد طرفيها ترفٌ خارج المتناول. ولوج الموسيقى والفن للمجتمعات الممانِعة لهما حتمي، وإن بطرق التفافية.
هذا العالم لا يبالي بالجُزُر ويعتبر اختراقها عملاً يومياً وأحيانا للتسلية وتزجية الوقت، فخسارة المجتمعات المحلية خصوصياتها وجدرانها هي أهم تداعيات عجلات العولمة. يعني ذلك أن الفن كطريقة للتعبير سيجد سبيله إلى الفتية والفتيات الذين يظن أحد ما أنه حصّنهم بما هو أقوى. لا حصانات أمام هذه الديناميات الناعمة، ولمن لا يصدق فليتجول في شوارع طهران الداخلية.
الجواب التقليدي هو عدم جواز القفز على الحرمة الشرعية الواضحة. لكن الجواب هو: هل هي فعلا واضحة ومحددة؟ هل هو دقيق القول إن لا إمكانية لمقاربة فقهية تتيح «للجميع» الاستيقاظ على الشاكلة اللبنانية، على القهوة وفيروز؟
السلفيون: من الامتناع عن قتال إسرائيل إلى التعامل معها
مصدر الخبر
جريدة السفير