السبت 4 يوليه 2026 — القاهرة

إستراتيجية مقترحة لتحسين صورة مصر في الخارج

إستراتيجية مقترحة لتحسين صورة مصر في الخارج
تبذل الحكومة المصرية جهوداً مضنية لمواجهة مشكلات الاقتصاد والقضاء على الإرهاب، ومع ذلك فإن الصورة الذهنية لمصر ليست مرضية في الإعلام ودوائر النخب السياسية والاقتصادية في أوروبا وأميركا، أو بالأحرى ليست واقعية. فثمة تشويه متعمد للحقائق على الأرض ومبالغات في ملف الأمن والاستقرار وقدرة الحكومة على ضمان سلامة الأفواج السياحية، فضلاً عن ملف حقوق الإنسان والحريات. ذلك وغيره خلق صوراً سلبية عن مجمل الأوضاع في مصر، ما أدى إلى خسائر اقتصادية وسياسية ومعنوية أهمها تراجع القدرة على استعادة السياحة وجذب الاستثمارات الأجنبية.

أحدث التقارير المسيئة إلى مصر صدر عن معهد «تقييم السمعة» الخاص بترتيب الدول في هذا المضمار وتضمن 16 دولة، بينها أربع دول عربية وأربع دول إسلامية، اعتبرت ذات سمعة سيئة أو ضعيفة على مقياس من واحد إلى 100. احتلت مصر وفق هذا التقرير المرتبة 16، فيما تصدر العراق القائمة، في مقابل السويد وكندا وسويسرا وأستراليا والنرويج، التي جاءت في مقدم الدول الأحسن سمعة. وقناعتي أن سمعة مصر ليست بهذا السوء، كما أن لديَّ تحفظات كثيرة على تقارير المنظمات الدولية، وأساليب تقديرها وأهدافها، لأن كثيراً منها يعمل لخدمة مصالح دول معينة ويخضع للجهات التي تقوم بتمويلها. ومع ذلك؛ لا بد من التعامل مع نتائج ما تنشره من تقارير، والاهتمام بالرد عليها ومناقشتها، لأنها تؤثر في حركة السياحة العالمية والاستثمار في زمن العولمة.

المفارقة أن الحكومة المصرية والنخبة والإعلام لم يتحركوا بالقدر المطلوب لمواجهة عمليات تشويه الحقائق والتحيز في الإعلام الغربي ضد ما يجري في مصر، وإنما اكتفوا بإنتاج خطاب دفاعي موجه للرأي العام الداخلي، يدعي أن الإساءة لصورة مصر هي نتاج مؤامرة خارجية يشارك فيها الإخوان المسلمون.

وأنا شخصياً؛ ضد المبالغة في دور الإخوان وكذلك المبالغة في التفكير بالمؤامرة واستخدامها فزَّاعة للرأي العام وفي الوقت ذاته شماعة لتعليق الأخطاء وتبرير التقصير في الأداء، لأننا لو سلَّمنا جدلاً بوجود مؤامرة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عملنا لمواجهة المؤامرة وإفسادها وفضح أطرافها، وتحسين صورة مصر في الخارج؟

أعتقد بأن تصحيح الصورة الذهنية عن مصر أصبح إحدى أولويات الحكومة والمجتمع؛ لأن استعادة الصورة الإيجابية أو بالأحرى الصورة الواقعية لمصر يتطلب تعاون الحكومة والبرلمان والمجتمع بمن في ذلك المصريون المقيمون في الخارج، والذين يشكلون قوة تأثير وحضوراً رمزياً ومعنوياً لا يستهان به شرط توظيفه في إطار إستراتيجية وطنية. في هذا السياق أقترح أن تكون أهم الملامح الرئيسة لهذه الاستراتيجية ما يلي: أولاً: التسليم بأن الصورة الخارجية لمصر أو لأي بلد هي محصلة تفاعل الإيجابيات والسلبيات في أرض الواقع، فالصورة الخارجية هي انعكاس لحقائق على الأرض، ولن تكون الصورة مؤثرة ومقنعة إلا إذا استندت إلى وقائع مادية ملموسة. صحيح أن الصورة الذهنية هي فن وصناعة يلعب فيهما الإعلام والاتصال المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً للغاية، إلا أنه مهما بلغت براعة وقوة الإعلام الجديد والتقليدي فإنه يعكس الواقع، ولا يمكن أن يصنعه. في هذا السياق؛ هناك انتقادات واسعة من جمعيات وهيئات محلية وأجنبية لأوضاع حقوق الإنسان والحريات في مصر، وبالتالي من الضروري فتح المجال العام ومراجعة وتصحيح بعض الأخطاء والتجاوزات التي رصدتها تقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي يختار أعضاءه رئيسُ الجمهورية وتموله الدولة.

ثانياً: تقديم مصر للعالم الخارجي كبلد «نامٍ» يعاني من مشكلات ولديه منجزات وخطط للتنمية والتحول الديموقراطي. ليس مطلوباً تقديم صور سياحية لمصر أو الترويج لها كبلد خال من المشكلات، وإنما لا بد من إبراز الإنجازات والاعتراف بالمشكلات، أي تقديم صورة حقيقية لبلد يحارب الإرهاب في شمال سيناء، ولديه مشكلات في التوازن بين الأمن والحريات. بلد فيه سياسة وانتخابات وحكومة تحظى بتأييد غالبية البرلمان المنتخب، مقابل معارضة مسموح لها بالتحرك في الشارع والتظاهر السلمي، ما عدا «الإخوان المسلمون»؛ لأنهم يمارسون العنف والإرهاب ويرفضون شرعية النظام الجديد. أتصور أن مثل هذا الخطاب الواقعي الموجه للعالم الخارجي يستطيع بسهولة - وفي شكل غير مباشر - نفي الادعاءات بأن مصر يحكمها نظام عسكري جاء بعد انقلاب ضد «الإخوان». ثالثاً: استهداف الرأي العام العربي والعالمي وعدم الاكتفاء بمخاطبة الرأي العام ودوائر صناعة الإعلام والسياسة في أوروبا وأميركا، لأننا إزاء ما يعرف بالرأي العام المعولم الذي يتبادل التأثير عبر دول وقارات العالم من دون أن يقر بهيمنة أو قيادة الرأي العام في أوروبا أو أميركا. وتكفي الإشارة هنا إلى أن مصر لديها رأسمال رمزي إيجابي في إفريقيا وآسيا، يمكن تعزيزه وتطويره، من خلال أدوات تمتلكها القاهرة ولا تجيد أحياناً توظيفها. رابعاً: إنشاء هيئة عليا مستقلة لتنفيذ إستراتيجية تحسين صورة مصر في الخارج، والتنسيق بين نشاطات الإعلام والعلاقات العامة للوزارات والجهات الحكومية المختلفة، والمجتمع المدني والمصريين في الخارج، لأن كثيراً من هذه الجهود يفتقر إلى التخطيط ويتسم بالموسمية وبالعشوائية أحياناً، كما حدث في تحركات بعض الوفود المصاحبة لرحلات الرئيس في الخارج والوفود الشعبية التي أساءت إلى مفهوم الديبلوماسية الشعبية. في هذا الإطار؛ لا بد أن تقوم الهيئة التنسيقية المقترحة بمراجعة وتقويم أدوات الإعلام الخارجي، وأهمها هيئة الاستعلامات والمكاتب الخارجية التابعة لها، وكذلك البعثات الديبلوماسية، علاوة على تقويم نتائج الاستعانة ببعض وكالات العلاقات العامة والتي لا غنى عنها شرط ألا يقتصر دورها على الترويج للسياحة وإنما لا بد من تحسين صورة مصر؛ لأن الترويج للسياحة لا ينفصل عن الصورة الذهنية للبلد. وأظن أن الهيئة المقترحة يمكنها أن تتولى دعوة إعلاميين وسياسيين لزيارة مصر للاطلاع على الحقائق، وتفعيل دور الديبلوماسية البرلمانية وتنظيم أداء الديبلوماسية الشعبية. والأهم أن تتولى الهيئة التعامل بفاعلية مع امبراطورية وسائل التواصل الاجتماعي على المستوى العالمي والتي تكاد تكون مصر الرسمية غائبة عنها، على رغم أهميتها المتزايدة وتأثيرها الكبير في تحديد قرارات السائح للسفر والبلد الذي يقصده.
مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة