المسألة باختصار أنه لكى نخرج من مشكلتنا الاقتصادية فلابد من توفير أكبر عدد ممكن من فرص العمل فى جميع المجالات. ولكى يحدث ذلك فلابد من تشجيع أصحاب الأعمال الذين يقومون بإنشاء المشروعات المختلفة من شركات ومصانع ومزارع وأى أعمال تساهم فى دفع النمو، طالما كان ذلك فى إطار القانون.
سيقول البعض إن كل الحكومات والأنظمة تكرر هذا الكلام، منذ سنوات طويلة، من دون أن يتحقق أى شىء عملى على أرض الواقع. وهذا كلام صحيح إلى حد كبير. وبالتالى فالمطلوب أن نرى أعمالا، وليس فقط أقوالا وتصريحات معسولة لا تغنى ولا تسمن من جوع.
قبل أيام كنت أتحدث مع واحد من كبار المستثمرين، وشرح لى أن الحكومة يمكنها أن تساعد فى حل الكثير من المشكلات بإجراءات ومساعدات صغيرة. هو يعتقد طبعا بوجود أزمة اقتصادية صعبة، لكنه يجزم بأن الحل ليس مستحيلا.
قال لى إنه يستطيع عبر قرارات إدارية حكومية ودعم معنوى أن يوفر واردات قيمتها 500 مليون دولار، ويصدِّر بأكثر من 100 مليون دولار.
الرجل ضرب لى أمثلة من على أرض الواقع، فإذا كانت الحكومة مثلا قررت وقف استيراد أنواع معينة من الجبنة مثل «الايدام» توفيرا للعملة الصعبة، فإن أى رجل أعمال يعمل فى هذا المجال يستطيع أن يوفر هذا النوع من الجبنة، طالما أنه يمتلك المزرعة والأبقار وبالتالى الالبان. قد لا يكون فى حاجة إلا إلى ماكينة، سعرها عشرة أو 15 مليون دولار. وفى هذه الحالة سنكون قد وفرنا الجبنة لمريديها بسعر منخفض، والأهم وفرنا الدولارات التى كنا نستورد بها هذا النوع الذى لا يعرفه كثيرون.
نموذج الجبنة يمكن قياسه على سلع أخرى كثيرة. حيث هناك مصانع قائمة، بالفعل وخبرتها موجودة، وبالتالى يمكن إضافة عنصر بسيط، أو تمويل قليل، لكى توفر الكثير من فرص العمل فى الداخل، والعملة الصعبة بدلا من إنفاقها فى الخارج.
الأمر نفسه ينطبق على المصانع المتعطلة لأسباب بسيطة، والحكومة بذلت جهدا فى هذ الإطار، واستطاعت تشغيل بعضها، وفى سبيلها لتشغيل مصانع أخرى قريبا.
المشكلة التى سمعتها من الكثير من المستثمرين الجادين هو عدم إحساسهم بأن الدولة والحكومة تدرك فعلا أهمية ما يفعلونه.
أحدهم قال لى: «فى عز المشاكل والاضطرابات منذ 25 يناير 2011 وحتى هذه اللحظة، لم تتوقف مصانعى ومشروعاتى، بل حدث العكس، لقد قمت بالتوسع فى المشروعات وإضافة رأسمال جديد، إيمانا بأن ذلك سوف يصب فى النهاية فى مصلحة الاستقرار السياسى والاجتماعى، ورغم ذلك فإن موظفا بسيطا قد يعرقل مشروعا بملايين الدولارات، أو موظفا كبيرا يوقف المراكب السايرة لأن مزاجه كده!».
المنطق البسيط والبديهى يقول إن الدولة يفترض أن تشجع أى مستثمر جاد، وتعاقب اللص أو الفاسد والمفسد لكن أن تعرقل من يريد العمل والإنتاج، فتلك هى المشكلة بل المصيبة. لا أقصد بالحكومة الوزراء وكبار المسئولين، فمعظمهم جادون فى ذلك، لكن المقصود الجهاز الإدارى المترهل والعاجز والروتينى والفاسد أحيانا.
الطبيعى أن الرئاسة والحكومة وسائر أجهزة الدولة تبحث عن المستثمر الوطنى الجاد بالملقاط، وتجلس معه وتستمع منه إلى مشاكله وهمومه وأفكاره، وكيف يمكن حل الأزمات، وأن تدعمه وتكرمه، حتى يكون قدوة لغيره.
عندما استمعت إلى العديد من المستثمرين فى الأيام الأخيرة أدركت فعلا أن غالبية مشاكلنا لها حلول، شرط أن تكون هناك إرادة وهمة ومتابعة، ومواجهة حقيقية للوبى الفساد والإهمال وانعدام الكفاءة.
المستثمر الذى يوفر فرص عمل ويسدد الضرائب والتأمينات وسائر حقوق العمال والدولة، علينا أن نضعه فوق رءوسنا، والنصاب الذى يدعى أنه رجل أعمال، ويهتف بأعلى صوته «تحيا مصر» فى حين يمتص دم الغلابة، علينا أن ندهسه بأقدام القانون.
لو كنت مكان رئيس الجمهورية ورئيس الوزارء لدعوت اكبر عدد من المستثمرين الكبار الجادين وجلست معهم واستمعت اليهم،والي همومهم ومشاكلهم واقتراحاتهم ،فربما كان ذلك احد طرق الخروج من الازمة التي نعيشها.