الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

محللون: خفض الجنيه حتمى وقريب للغاية

محللون: خفض الجنيه حتمى وقريب للغاية
للمرة الأولى منذ بدء المفاوضات قبل شهور.. أفصح صندوق النقد الدولى عن اشتراطه تحريك أسعار الصرف وخفض دعم الطاقة لعرض ملف اقتراض مصر 12 مليار دولار على مجلسه التنفيذى.. فبكلمات ربما تحمل خلافًا ما مع الحكومة حول توقيت تنفيذ الاصلاحات، قالت كريستين لاجارد مدير الصندوق إنه ينبغى على مصر استكتمال إجراءات أولية تشمل ملفى العملة والدعم قبل اجتماع مجلس الصندوق للموافقة على التمويل.

عبارات لاجارد جاءت ردًا على سؤالين يزيدان كلماتها وضوحًا، كان طرحهما أحد الصحفيين على هامش مؤتمر أمس الأول.

السؤال الأول: هل تحريك العملة واتباع سياسة مرنة لسعر الصرف شرطان مسبقان للقرض؟ أما الثانى فكان هل هناك إجراءات أخرى مثل خفض دعم الطاقة؟

وأكدت لاجارد فى المؤتمر الذى عقد على هامش اجتماعات الخريف لصندوق النقد بالعاصمة الأمريكية واشنطن أنها تأمل أن يجتمع المجلس التنفيذى فى وقت عاجل لم تحدده، لكنها ربطته بانتهاء مصر من المطلوب فقالت: ما إن اجتمع المجلس فهذا يعنى أن الإجراءات الأولية قد استكملت.

ومن المعروف أن موقع صندوق النقد الدولى ينشر أولًا بأول أجندة اجتماعاته والعناوين الرئيسية التى يتم مناقشتها، ولكن لم تشمل أجندة الصندوق حتى الآن أية اجتماعات تتعلق بملف إقراض مصر.

بدوره قال اقتصادىٌّ مرموق- فضّل عدم نشر اسمه- إن الصندوق لا يصدر عادة تصريحات تتعلق بإصلاحات دون موافقة الدول موضع الحديث، لافتًا إلى أن ما صدَر من "لاجارد" يعتبر تصعيدًا كبيرًا معناه أنه كان هناك اتفاق بالتعويم خلال الأسبوع الماضى وتم نقضه.

وأوضح المصدر الذى فضّل عدم نشر اسمه، أنه من الواضح أن هناك خلافًا بين إدارة الصندوق والحكومة المصرية التى تتأخر فى تحريك سعر الصرف وتطبيق الإصلاحات المطلوبة، وإلا لما كانت كريستين لاجارد قد اضطرت للتطرق لسعر العملة، وهو أمرٌ لا يفترض التصريح به بدولة تعانى من مشكلة فى ميزان المدفوعات مثل مصر.

وتوقَّع أن يتجه البنك المركزى لتعويم كامل للجنيه خلال الأيام القليلة المقبلة، مؤكدًا أن الأمر سيتم على الأرجح الأسبوع الحالى، ورأى أنه لا توجد بدائل أخرى سوى أن تغلق مصر على نفسها مثل نموذج إيران وكوريا الشمالية، وهو أمرٌ صعب لأننا لا نعتبر دولة منتجة، بخلاف تلك الدول التى ربما لديها ما يكفيها لكى تعيش على الكفاف.

وأكد المصدر أن الحكومة تجاوزت الوقت الذى كان يمكن خلاله اتخاذ إجراءات أخف وطأة، وكلما تأخرت، زادت الأزمة، لذا لا بد من حسم مصير سعر الصرف فى أقرب وقت ممكن.

وقال تامر يوسف، رئيس قطاع الخزانة وإدارة الأموال بأحد البنوك الأجنبية، إنه ليس هناك بديل مناسب عن قرض النقد الدولى، ومن ثم لا تراجعَ عن استكمال مفاوضات الصندوق وتطبيق حزمة الإصلاحات المتفَق عليها، فى ضوء إحكام أزمة نقص النقد الأجنبى قبضتها على الاقتصاد المصرى.

وأضاف: سيناريو التراجع عن قرض صندوق النقد غير مطروح؛ إذ إن البدائل صعبة جدًّا فى ضوء الوضع الحالى مع أزمة تراجع إيرادات السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكذا مستوى الاحتياطى من النقد الأجنبى.

وأشار إلى أن مصر قطعت شوطًا كبيرًا فى حزمة الإجراءات الإصلاحية المتفَق عليها ضِمن برنامج الإصلاح، ومنها تفعيل قانون القيمة المضافة والخدمة المدنية، وكذلك رفع الدعم عن الطاقة فى الجزئية الخاصة بأسعار الكهرباء، بينما قد ترى الحكومة أن قرار رفع الدعم عن الوقود يحتاج لمزيد من الوقت لآثاره التضخمية القوية وانعكاسه على مستوى أسعار السلع بالسوق.

واقترح تعديل حد الإعفاء السنوى فى ضريبة الدخل ليكون 30 ألف جنيه على سبيل المثال، بدلًا من 13.5 ألف جنيه حاليًا؛ لتخفيف العبء عن أصحاب الدخول المنخفضة، على أن يتم تعويضه عبر رفع نسب الضريبة على الشرائح الأعلى بنسب من 0.5 إلى %1، وبذلك يسمح بتخفيف الأعباء التى ستنتج عن رفع الدعم عن المحروقات.

وعلى صعيد خفض قيمة الجنيه أكد يوسف أن البنك المركزى يسعى لاتباع سياسة صرف أكثر مرونة، وهو أمر مِن ضِمن إجراءات الإصلاح المتفَق عليها مع صندوق النقد الدولى، إلا أن قرار تعديل سعر الصرف يحتاج لأدوات وآليات وسيولة بالنقد الأجنبى، وقد يرجع سبب التأخير إلى عدم التمكن من جمع الحزمة التمويلية المتفَق عليها بقيمة 5 أو 6 مليارات دولار عبر الاتفاقات الثنائية حتى الآن، والتى سيتبعها توقيع قرض الصندوق والحصول على الشريحة الأولى منه، وهو ما يمكِّن مصر من طرح السندات الدولارية بالأسواق الخارجية لجمع حوالى 3 مليارات دولار، بما يسهم فى تغطية الفجوة التمويلية بالسوق وضبط أوضاع سوق الصرف الأجنبى.

وقال مصرفى بارز أنه بعد تصريحات كريستين لاجارد بات من الواضح أن الموافقة النهائية على القرض لن تأتى إلا بعد خفض الجنيه ورفع الدعم عن البنزين، وهو ما يضع الحكومة فى مأزق؛ لصعوبة الإقدام على تعديل سعر الجنيه فى غياب السيولة اللازمة لتغطية متأخرات الطلب على الدولار، وكذلك رفع أسعار البنزين، ومن ثم خلق موجة تضخمية جديدة تزيد معاناة المواطن.

وأضاف أن فشل الحكومة فى تدبير الحزمة التمويلية المساندة المشروطة قد يؤخر نسبيًّا الحصول على قرض صندوق النقد، فى ضوء صعوبة تعديل سعر الجنيه رسميًّا كما هو متفَق عليه، مع غياب توافر سيولة أجنبية.

وقال مسعود أحمد، مدير إدارة الشرق الأوسط فى صندوق النقد الدولى، الجمعة الماضى، إن الشريحة الأولى من قرض الصندوق لمصر ستبلغ قيمتها نحو 2.5 مليار دولار، مضيفًا أنه يأمل فى الحصول على موافقة مجلس الصندوق على برنامج القرض خلال الشهر المقبل.

وأضاف أن برنامج القرض البالغة قيمته 12 مليار دولار سيتضمن شروطًا، مِن بينها تقليص عجز الموازنة بمصر، والتحول بسعر الصرف إلى نظام تحدده السوق بشكل أوسع.

وقال هانى فرحات، الخبير الاقتصادى بـ«سى آى كابيتال»، إن تصريح لارجارد بشأن ضرورة تحريك سعر الصرف وخفض دعم الوقود قبل الحصول على القرض، يعتبر مؤشرًا قويًّا للغاية على قرب الاتجاه لتعويم مُدار للعملة، مضيفًا أنه يأتى للتأكيد على أن الإصلاحات ستأتى قبل القرض، ومن ثم لا بد من الالتزام بها قبل الاجتماع المرتقب مطلع نوفمبر.

وفسّر فرحات صدور تصريح رسمى من الصندوق يتحدث لأول مرة عن تحريك سعر صرف، بأن لاجارد ربما أرادت توضيح موقف الصندوق من الموافقة على برنامج التمويل المرتقب، خاصة بعد المضاربات التى زادت خلال الأسبوع الماضى إثر توقعات إجراء تعويم بذلك الأسبوع، وذلك عبر إيضاح رسمى.

وأوضح: من المتوقع أن يقوم «المركزى» بخفض أو تعويم مُدار للجنيه خلال أكتوبر الحالى، وإذا تم مدُّ تلك الخطوة فربما تتأجل مناقشة القرض لاجتماعات ديسمبر، مؤكدًا أنه لا مفرَّ من تحريك سعر الصرف، وإلا سيظل الوضع الاقتصادى كما هو دون تحسُّن.

ورأى فرحات أن «المركزى» لن ينتقل للتعويم إلا بعد أن يوفر احتياطيًّا من النقد الأجنبى كافيًا لمجابهة المضاربات من خلال إسراع مفاوضات الحصول على قروض السعودية والصين على الأرجح، حتى يصل لاحتياطى آمن عند 23 مليار دولار، وعندها يمكن أن يبدأ عملية التعويم.

وبشأن أثر إجراء الخطوات الإصلاحية المطلوبة دفعة واحدة على التضخم، قال كبير الاقتصاديين بـ«سى آى كابيتال» إن الحكومة من المحتمل أن تتفاوض مع الصندوق؛ لتقلص النسبة المطلوبة لخفض الدعم على المنتجات البترولية لأقلَّ من %20، على ألا يستهدف الخفض سوى السلع البترولية التى يستخدمها الأغنياء؛ لتجنُّب المساس بالطبقات الفقيرة أو محدودة الدخل.

فى سياق متصل أكد محلل اقتصادى أنه لا يمكن تحديد مبلغ معين يضخُّه «المركزى» من الاحتياطى عقب تحريك سعر الصرف، فإذا كانت هناك اشتراطات بشأن ذلك فى أوقات سابقة فالوقت والظروف قد تغيرت كثيرًا، وقال: لا يشترط استخدام نسبة من الاحتياطى لمواجهة المضاربات، فالإعلان عن رقم كبير للاحتياطى هو وسيلة ردع، وحتى يكون الجميع على اطلاع بأن «المركزى» لديه ذخيرة تتيح له التدخل عند الحاجة.

وكانت وثائق قد أشارت خلال مفاوضات مصر مع الصندوق عام 2012، إلى أن هناك قيودًا على توظيف الاحتياطى فى حماية قيمة الجنيه، مع السماح باستخدام نحو مليار دولار فقط لهذا الغرض.
مصدر الخبر
جريدة المال

أخبار متعلقة