الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

عم «على» التونسى و حرب أكتوبر

عم «على» التونسى و حرب أكتوبر
يقف عم «علي» فى سوق ــ إريانة ــ باحدى ضواحى تونس العاصمة . بائع متجول بلا محل ولا عربة يد. يضع بضاعته امام جسده الفاره المكدود. أوان منزلية زهيدة الثمن من الفخار والبلاستيك. تعرفت عليه وهو على هذا الحال فى ديسمبر 2014. ولما أدرك أننى مصرى تدفق ـ وهو العملاق الصامت ـ فى حديث ذكريات عن قناة السويس عندما جاءها مقاتلا ضمن قوة من الجيش التونسى شاركت على الجبهة المصرية فى حرب أكتوبر 1973. وما يعلق بذهنى حتى الآن أن عم «علي» يحفظ جغرافيا القناة كما أهلها وتختزن ذاكرته وهو فى هذه السن المتقدمة أسماء مدن وقرى، ربما لا يعرفها مصريون .

و ما دفعنى الآن الى التفكر مجددا فى عم «على» هو ماطالعت فى الموقع الألكترونى لجريدة «آخر خبر» التونسية بحلول يوم السادس من أكتوبر هذا العام. فقد وضعت صورة للجنرال «عبدالعزيز سكيك» وذكرت بأنه كان على رأس قوة من 1200 ضابط وجندى من الجيش التونسى باتجاه بورسعيد حاربوا مع اشقائهم المصريين ثغرة شارون وصدتها عن التقدم إلى شمال قناة السويس. وقتها كان الجنرال التونسى برتبة عقيد. وعلى الفور بحثت عن سيرة الجنرال «سكيك» فاكتشفت انه اصبح لاحقا رئيسا لأركان الجيش التونسى (أعلى منصب عسكرى فى بلاده) ولمدة خمسة اشهر قبل ان يذهب ضحية تحطم طائرة هليكوبتر فى 30 أبريل 2002هو و12 ضابطا بينهم رتب رفيعة. وهو حادث يعيد إلى الأذهان المصير الغامض الملتبس لوزير دفاعنا المشير أحمد بدوى ورفاقه العسكريين فى 2 مارس 1981. 

ولكن لندع جانبا هذا الغموض للتاريخ والمؤرخين. وما يعنينا هنا وفى سياق استعادة أكتوبر 1973 هو هذا البعد القومى فى الملحمة. وهو بعد لا يقلل بحال من نسبة الإنجاز الى جنودنا المصريين والسوريين على الجبهتين. وتستحق تونس نظرة خاصة فى هذا السياق . فهذا البلد الذى يعتقد بأنه بعيد عن خطوط المواجهة والصراع مع الصهيونية تقوم الشواهد على أنه أقرب مما نتصور. بل وأفعل مما نتوقع. الاعتقاد بالبعد تغذيه عوامل المسافة والجغرافيا السياسية وتاريخ هذا البلد الذى لم يعرف استقلاله عن الاستعمار الفرنسى ثورة كبرى مخضبة بالدم كما جارته الجزائر، وإن كان هذا لا ينفى عنه صفحات من تاريخ المقاومة المسلحة فى الجنوب والوسط على يد فرق «الفلاقة» وكذا معركة بنزرت 1961. والاعتقاد بالبعد أيضا ظلت تغذيه حكايات الخلاف بين بورقيبة وعبد الناصر بعد خطاب الأول فى أريحا عام 1965 حين نادى بقبول قرار تقسيم فلسطين والاعتراف باسرائيل. وقد لايعرف الكثير من المصريين أن التونسيين انتفضوا فى مظاهرات واحتجاجات غاضبة عارمة مع هزيمة 5 يونيو 1967. وروى الرئيس التونسى الحالى السبسى فى كتابه «بورقيبة المهم والأهم» كيف قاوم بصعوبة استدعاء الجيش للسيطرة على الموقف المشتعل فى وسط العاصمة أو اللجوء لاطلاق النار وقتما كان وزيرا لداخلية بورقيبة، وحيث هوجمت منشآت بريطانية وأمريكية. 

ولعل من المعلوم كيف احتضنت تونس لسنوات مقر منظمة التحرير الفلسطينية بعد اخراج المقاومة من بيروت عام 1982. لكن كتاب فتحى بن الحاج على «الحبس كذاب والحى يروح» ـ وهو من شباب حركة «آفاق» اليسارية التونسية فى نهاية الستينيات وعقد السبعينيات يكشف عن كيف كانت العلاقات قائمة ووثيقة مع منظمات الثورة الفلسطينية فى المشرق العربى، بما فى ذلك التدريب على السلاح. و من يتأمل التاريخ السياسى لتونس ويراجع سير العديد من قادة الأحزاب الحالية بعد الثورة سيتضح له أن الانتماء والروابط مع الثورة الفلسطينية لا تستثنى حتى تكوينات الوسط واليمين. بل كانت بين كوادر وسطى من الحزب الحاكم بعد الاستقلال (الدساترة). وعلى هذا النحو فالأمر يتجاوز تعبيرات وتنظيمات القوميين والناصرييين هناك. ولاتخلو تظاهرات تونس السياسية والثقافية وشوارعها الى الآن من حضور مميز للقضية الفلسطينية والعداء للصهيونية . 

فى مذكراته عن حرب 1973 يخصص المشير البطل عبد الغنى الجمسى فصلا بعنوان :«قومية المعركة». ويحدد فيه على نحو دقيق إسهام القوات العربية الشقيقة حين يقول نصا: «أثبت الواقع العربى أن الاتصالات الثنائية بين الدول العربية هى التى نجحت فى تدعيم الجبهتين السورية والمصرية التى رأت ان تسهم فى الحرب بعد نشوبها. ترتب على ذلك أن هذه القوات لم تصل فى الوقت المناسب الى ميدان المعركة. كان يمكن ان تكون أشد تأثيرا لو كانت قد تركزت فى الجبهة قبل الحرب مما يعطيها فرصة الاندماج مع قوات الجبهة والتعرف على طبيعة أرض المعركة». لكن المشكلة ليست فقط على هذا النحو . فالأدهى والأمر هو تنكر السادات لاحقا للبعد القومى للمعركة وفيما سار عليه إعلامه وصحفيوه مع كامب ديفيد من تشويه كل ما هو عربى . 

وحقيقة كنت أود أن أجرى حوارا مع عم «على».لكن موعد الطائرة التى تعود بى الى القاهرة كان فى الانتظار . ولعلنى أبحث عنه فأجده مستقبلا وأقبل رأسه ثانية عرفانا واحتراما . 
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة