آمل أن نصل في وقت ما إلى الفترة التي نحاول فيها أن نفهم ما حدث لدولة إسرائيل في العقد الثاني من القرن 21. من الجائز أن هذا لن يحدث في زمننا، ويمكن أن لا يحدث أبدا، ولكن ينبغي الأمل بأن يحاول أحد ما أن يفهم ذلك. إن الطريق الوحيدة للتشجع هو النظر شمال، إلى تركيا. هناك اجتيزت نقطة اللاعودة من زمان. الديكتاتورية صارت هناك. وإذا كان هذا حدث لهم، فيمكن أن يحدث لنا. وهو ما يحدث. في تركيا كانت ديموقراطية علمانية دافع عنها دستور محصن وقوي، مدعوم من جيش وصف بأنه «حامي الديموقراطية». وكمال أتاتورك، الذي عرف عن قرب دهاليز الدين ومواطن ضعف الديموقراطية، آمن أن السور الذي بناه حول الديموقراطية سيصمد. وأخطأ.
ونحن نعيش في سيرورة مشابهة. الوتيرة أبطأ ويمكن أن تكون النتيجة النهائية مختلفة، ولكن المبدأ مشابه. فالأمر يتعلق بتقويض الديموقراطية، وتآكل الليبرالية الغربية، وتدمير حرية التعبير وفرض حصار على الإعلام الحر. وسنضطر ذات يوم لنسأل أنفسنا كيف يمكن أن كل هذا الكم من الناس لم يفهموا ما يجري حولهم. وكيف أن الضفدع لم يشعر أنهم يشوونه. ولماذا لم يتمرد حماة الديار. ولماذا حفنة من السياسيين ممن حملوا أواني العائلة المالكة، لم يرفعوا رأسهم ويعلنوا أنهم لن يدعموا هذه الأفعال.
وترجمة الكلام: أين موشي كحلون؟ أين نفتالي بينت؟ أين أفيغدور ليبرمان؟ ويائير لبيد؟ إن الوحيد الذي قال كلاما واضحا حتى الآن كان أرييه درعي (في مقابلة أمس مع إذاعة الجيش)، وأعلن أنه غير ملزم بقانون يغلق اتحاد الإذاعة العامة، وسوف يصوت ضده. وأين كل رجال الليكود، ممن يعرفون الحقيقة بكل تفاصيلها؟ وكيف يسمحون لهذا بأن يحدث؟ في حوارات مغلقة، يبدون مصدومين. وهم يفهمون أنه ليست هنا قصة توازن بين يمين ويسار وباقي الكوابح من هذا النوع. الأمر مختلف تماما. فالمؤامرات السابقة تتجسد حاليا في دافيد بيطان. والحجوم مشابهة، لكن القصة الجديدة أخطر بكثير. فالحديث يدور عن أمر عابر، عن مقاول هدم خبير، لا يطرح أسئلة. فما الذي لديه شخصيا ضد اتحاد الإذاعة؟ في كل مرة يسأل فيها بيطان هذا السؤال يململ بكلمات حول مشاعر داخلية ليست جديدة يشعر بها ضد الاتحاد. نعم كل شيء مبني على مشاعر بيطان الداخلية. هذا حقيقي.
والسهولة غير المحتملة التي قاد فيها رئيس الحكومة إصلاحا معمقا وأساسي في سلطة إذاعة فاشلة، صوت إلى جانبها، وقدم لها الميزانيات، وأقسم باسمها، وفجأة انقلب عليها. والأشد إذهالا، هو أنه يقفز هنا وهناك باستخفاف. ليس هناك من يجرؤ على زعزعة الملكية. فالسهولة نفسها التي حاول فيها إلغاء مؤسسة الرئاسة عندما تبين له أن الرئيس المقرر ليس من بين أنصاره، هي السهولة ذاتها التي حثته على التصويت إلى جانب قانون صفر ضريبة القيمة المضافة ثم التراجع عنها، والتصويت خمس مرات إلى جانب خطة الانفصال عن غزة والفرار منها في المرة الأخيرة، والاتصال بمدعية العامة اللوائية للتباحث معها في أمر قضائي يخص زوجته، وألف مسألة أخرى مشابهة.
وفي الحالة الراهنة، فإن الإصلاح الذي عمل من أجل إدخاله وزير الإعلام جلعاد أردان ووزير المالية يائير لبيد، والذي اجتاز جمرات جهنم في الكنيست، وقاد إلى إقرار قانون إذاعة عام متقدم وفاخر، كل هذا ببساطة غدا هباء بسبب سلوك سوقي، غير مبرر، انطلق من شارع بلفور في القدس (مقر رئاسة الحكومة) نحو كل الاتجاهات. الحكومة اتخذت قرارا؟ لا مانع، نقوم بإلغائه. رغم أن الحكومة ذاتها هي من تقرر ومن تلغي. وقد تم استئجار خدمات مئات الصحافين والمستخدمين، وجرى دفعهم للتوقيع على عقود عمل، وتركوا أماكن عملهم ورسموا لأنفسهم مخططات ومشاريع؟ وهذا كلام فارغ. هم سيتدبرون أمرهم. أما الجمهور هل يحتاج إلى بث إذاعي عام نقي ومستقل؟ الجمهور لا يعرف أين تقع مصلحته. لهذا السبب يوجد زعيم. هو يقرر، والجمهور يتكيف مع الأمر.