في إحدى المُقابلات التي منحها نتنياهو لوسائل الإعلام في فندقه في نيويورك قبل حوالي شهر، سُئل حول وضع اتحاد الإذاعة الإسرائيلي. فقال: «لم أعثر على حلّ لهذا»، وأشرك الجمهور بضائقته.
القانون تمّ تمريره في الكنيست: هنا الاتحاد في طور الإنشاء، ويجري تجنيد مُستخدمين، والخُطط تتمّ بلورتها، والفحوى تتبلور، وموعد البثّ تحدّد، ووزير الإعلام لا يزال يبحث عن «حلّ». حلّ لماذا؟ لقلّة قدرته على التنقيب والخلط، والتوجيه وتحديد من سيبث ومن لا يبث، ومن يذيع ومن لا يذيع. والقول لم يثر أصداء، لأننا تعودنا على ذلك. تعودنا على هوس رئيس الحكومة بالمسائل الإعلانية. وإلى أن يحقق هدفه، وهو تدمير اتحاد الإذاعة الذي يهدد بأن يغدو اتحادا إذاعيا مستقلا، نوعيا، محررا من التأثير والضغوط السياسية، لن يهدأ ولن يكل. والأمر الأعلى في نظره هو أن لا ينهض هذا الاتحاد وأن لا يبقى. ولهذا الغرض فإنه يمارس ضغوطا هائلة على شركائه ذوي الصلة في الائتلاف الحكومي وعلى رأسهم وزير المالية، موشي كحلون، الذي يرأس حزب «كلنا» بنوابه العشرة. ولحسن الحظ أو لسوئه فإن كحلون هو مفتاح مستقبل الإذاعة العامة في إسرائيل في السنوات المقبلة. سواء كرئيس للكتلة أو بوصفه الصراف القومي. وقالت مصادر مطلعة في الحلبة السياسية أن نتنياهو يجنن كحلون، ويرعبه، ويقضّ مضجعه. وهو يحفر من حوله قرب نافذته. وقد اعترف وزير المالية مؤخرا في حديث خاص أن «الأمر هام جدا له». وبدا وكأنه يعاني.
رسميا فإن موقف كحلون وحزب كلنا بقي كما كان: تأييد لاتحاد الإذاعة، كما هو. وعمليا، يبدو أن منظومات دفاعه ضعفت، والتحصينات اختلت بعض الشيء، فالحزم تحول إلى روج براغماتية تتطلع إلى إيجاد صيغة بديلة. وفي المعارضة، التي علقت آمال على وزير المالية، بدأت تيأس منه. وقال عنه أحد الوزراء: «إنه سيحارب حتى الطلقة الأولى».
ومشروع قانون رئيس الائتلاف، دافيد بيطان (الليكود)، لإلغاء الاتحاد وإعادة تحريك الشاحنة التعبة، الشاحبة وعديمة السرعة وهي سلطة الإذاعة الحالية، تم فحصه من جانب دهات مخولة في وزارة الملية. وكانت الخلاصة هي أن تنفيذ مشروع القانون ليس فقط لن يوفر أموالا على الدولة، وإنم سيثقل على خزينتها بتكاليف إضافية، تبلغ مئات الملايين من الشواقل. وعلى ما يبدو فإن حزب كلنا لن يصوت إلى جانب مشروع قانون بيطان، وهو مات قبل أن يُولد.
وقد سخر رجال اقتصاد ضالعون في المجال يوم أمس من مشروع قانون بيطان، الذي بشرنا بتوفير حوالي ملياري شيكل، وماتوا من الضحك. واستخلصوا أن بيتان مجرد مهرج، وأن مشروعه أقرب إلى نكتة. وجلعاد أردان، كوزير للإعلام، هو من قاد الإصلاح الحيوي في الإذاعة العامة، وصف ذلك جيدا بقوله: «لا أعرف كيف يمكن عرض التبذير كتوفير، والتوفير كتبذير». ولكن عند بيطان، كل شيء ممكن. وكل شيء يمر. واللامبالاة تحني رأسها خجلا، عندما يمر بجوارها.
وكما سلف، هذا أيضا عند من هو أعلى منه، الوزير تساحي هنغبي، ممسحة الأرضية البشرية التي تتمدد تلقائيا تحت قدمي نتنياهو كلما تطلب الأمر ذلك. في مقابلة تلفزيونية قال أمس هنغبي إن رئيس الحكومة «لا ينشغل بالأمر، وهو لا يهتم به، وليس له موقف لا في هذا الاتجاه ولا ذاك». والوزير لا حقيبة، هنغبي، مؤهل لأن يخرج من فمه، وببرودة أعصاب، ومن دون أن يبذل أي جهد، تلفيقات لا أساس لها وأقوaال لا تستند إلى حقيقة، طالما أن ذلك يخدم سيده، ربما بأمل أن يحظى ذات يوم لترقية وزارية. ومؤسف ومهين ما جرى له. بل أن أوفير أكونيس شفي من هذه العادة.
والفكرة الجديدة التي تم نشرها أمس في «هآرتس» ولدت في دماغ شخصية مركزية رفيعة المستوى في الائتلاف والحكومة، تصر في هذه المرحلة على عدم الكشف عن هويتها، على الأقل إلى أن تفحّص جدوى تنفيذ المبادرة من جانب كل المعنيين. والأساس: إلغاء الاتحاد وإنشاء كيان جديد يركز نشاطات كل أجهزة الإعلام الواقعة تحت تصنيف الإذاعة العامة، أي بقايا سلطة الإذاعة التي تفرغ من رجالها ومن مستمعيها، ومحطة إذاعة الجيش التي يشوب مستقبلها الغموض، والتلفزيون التعليمي المفترض، أيضا وفق القانون الحالي، أن ينضم لصفوف الاتحاد وأن يندمج فيه. ولا تزال فكرة الاتحاد في بداياتها. ومن أجل تنفيذها يتطلب الأمر وحدة ائتلافية، وتعاون بين أحزاب كلنا والبيت اليهودي وإسرائيل بيتنا، بين كحلون، نفتالي بينت وأفيغدور ليبرمان. وطبعا موافقة وزير الإعلام.
وفي منتصف ولايته الثانية في العام 2011، قرر نتنياهو إغلاق التلفزيون التعليمي، أولا من أجل أن يخرج من دائرة العمل ومن جدول البث واحدا من مقدمي برامج الأحداث، نصنع يومنا. ورسميا كانت ذريعة نتنياهو هي التوفير المالي. وسبق لي أن كتبت هنا ن المشكلة ليست مالية، وإنما بن كسبيت. فوزير التعليم، جدعون ساعر، عارض ذلك خلافا لرغبة رئيس الحكومة، وبقي التلفزيون التعليمي كما بقي البرنامج ومقدمه. ولكن لم يتم أبدا حتى الآن إزالة هذا الهدف من بنك أهداف رئيس الحكومة. وكان نتنياهو على استعداد، ولا يزال، لأن يلقي بقنبلة بوزن طن على منظومة كاملة من أجل أن يقضي على مطلوب واحد.
وفي كل لحظة، وفي أي مفترق طرق، وفي كل لقاء عابر وعندما تبدو فائدة ويصطدم نتنياهو بفرصة لتوجيه ضربة على حساب أي جهة إعلامية، سواء كانت هامة أو تافهة، مركزية أو هامشية، بهدف تعزيز سيطرته على وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإنه يهاجم الفريسة. مثل النسر. ومثل طائرة حربية تحدد هدفها في السماء.
والمبادرة التي يجري الحديث عنها وقعت بين يديه كثمرة ناضجة، كخبزة طرية، كعسل سيّال. إذا تحققت، فسوف تحل له غير قليل من مشاكله في الجبهة الإعلامية: إذاعة الجيش والتي لا يحبها، على أقل تقدير، سوف تتآكل داخل الهيئة الجديدة. ومثله، فإن ليبرمان يتطلع إلى طرق مهذبة أو غير مهذبة لتدمير المحطة، لكنه لا يهرع لإقفالها بسبب التعاطف والتقدير الذي يكنّه الجمهور لها. أما التلفزيون التعليمي، فسبق أن تحدثنا عنه. ولكن أهم شيء، وأكثر من سواه، هو القضاء على اتحاد الإذاعة بصيغته القائمة، ورمي الرئيس والمدير العام جيل عومر وإلداد كوبلنتس إلى بيتيهما، لأنهما لا يتصرفان وفق تطلعاته. وهما لا يجندان من يتطلعون إلى نيل رضاه، وما يغضبه، هو أنهم يتقبلون للعمل صحافيين لا يكنون له مودة.
وبهذا الشكل يتم القضاء على أو قص أجنحة إذاعة الجيش، والتلفزيون التعليمي واتحاد الإذاعة، وفي الوقت نفسه تتوسع سيطرته على ما تبقى من وسائل الإعلام الإسرائيلية المقموعة، والتي بأغلبها تحت مسؤوليته، بحكم منصبه كمسؤول اعلى أو بسبب تمويل راعيه، صاحب الكازينو أدلسون. وسيتم حل المجلس المنتخب، ويتم استبدال القانون الذي يمنح اتحاد الإذاعة استقلالية في مواجهة القدم الفظة لرجال السياسة، بقانون آخر يكون أكثر إراحة للسلطة، حسب أقوال المفوضة السياسية من رأس العين، وزيرة الثقافة ميري ريغف: «لماذا أقمنا اتحاد الإذاعة إذا لا نستطيع السيطرة عليه؟»
وهذا هو المطلوب جدا. والعجيب أن نتنياهو نفسه لم يفكر بهذا الأمر حتى اليوم. وقد يكون فكر، والله أعلم.
ومنذ نشر النبأ في «هآرتس» مساء أمس الأول، خرجت كل الأشباح من جحورها في رقصة كبيرة. والرجل المركزي، كحلون، التزم الصمت، لكنه أرسل رئيس كتلته في الكنيست، روعي فولكمان، إلى الإعلام، ليوضح أن دعم اتحاد الإذاعة لا يزال كما هو، أو كما صاغ ذلك عضو الكنيست: «لن نبحث في الأمر إلى أن تتم المصادقة على الميزانية». والتزم نفتالي بينت الصمت. أما زعيم شاس، وزير الداخلية أرييه درعي، فأوضح أنه لا ينوي تأييد إغلاق اتحاد الإذاعة (لكنه ملزم بالاتفاق الائتلافي الذي يقضي بالسير مع كل مبادرة إعلامية لوزير الإعلام).
وسواء خرج اتحاد الإذاعة إلى النور أم سقط في الطريق فإن هذا الاتحاد البائس الذي لم يذق طعم الراحة منذ لحظة تشكيله، بدا يوم أمس أقرب إلى محطة تجميع الجرحى والمصابين، فخمسمئة من مستخدميه (من بين 900 يفترض أن يعملوا فيه)، لا يعلمون ما ينتظرهم في المستقبل. وآخرون، ظنوا أو خططوا للانضمام للاتحاد، كبحوا أحصنتهم، كما يقول الأميركيون، وينتظرون التطورات. ونتنياهو، الرجل الذي لا يهتم بالموضوع، يعد الضربة التالية، التي إن لم تقتل، فإنها سوف تضعف أو تقوض الاتحاد أكثر.
حوار أصدقاء
لقاء نتنياهو مع مستوطني الموقع الاستيطاني غير القانوني، عمونه، المعد للإخلاء (والذي نشرت عنه القناة الثانية يوم أمس الأول)، يجسد إلى أي مدى وصلت سيطرة المستوطنين على حكومة إسرائيل والقائم على رئاستها. وأي رعب يمارسونه عليه. وأي خشية يثيرون في نفسه. وهذا لا يبلغ حتى درجة الذيل الذي يهز الكلب. إنه الطرف الأقصى للذيل. وليست هناك دولة أخرى في الغرب توجد فيها حفنة من ناس تقيم موقعا على أراض لا يملكونها، وصدر بحقهم حكم ناجز من المحكمة العليا، تحظى بلقاء مع زعيم الدولة المفترض أنه يرمز لسلطة القانون وتسمع منه رؤيته العميقة بشأن الرئيس الأميركي المنصرف و «الخطر» المتمثل بما تبقى من ولايته «على المشروع الاستيطاني». في عالم نتنياهو، ليست المستوطنات ولا الاحتلال والسيطرة على شعب آخر ومصادرة الاراضي هي مشكلة إسرائيل. أوباما، هو الخطر الاستراتيجي على وجودنا هنا.
والأقوال التي سمعوها تم تسريبها طبعا، بغية زيادة الضغينة وتعميق الشرخ القائم بين ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلي والبيت الأبيض حول مسألة المستوطنات عموما ومستقبل عمونه خصوصا. وقد نشر ديوان رئاسة الحكومة انكارا للاقتباسات التي نشرت، ولكن ذلك لم يناقض جوهر ما نشر، وأن نتنياهو أعرب عن قلقه مما ينتظر حكومته في السبعين يوما الباقية بعد الانتخابات الأميركية، وهي المرحلة الانتقالية والأرض المشاع بين الانتخابات الرئاسية وتولي الرئيس الجديد مهام منصبه.
وفعلا هناك مبرر للقلق. فالفتيل القصير وقلة صبر الإدارة الأميركية مؤخرا تجاه حكومة نتنياهو تجليا بتصريحاتها الهجومية، سواء تجاه الحل البديل لعمونه، أو هجوم رئيس الحكومة على منظمة «بتسيلم» إثر ظهور أمينه العام حجاي إلعاد في الأمم المتحدة. وينظر في إسرائيل لهذه الأمور بأنها إشارات مقلقة، تنذر بقدوم شتاء من عدم الرضى.
وسيضطر نتنياهو لصد الضغوط الأميركية المتزايدة بشأن المستوطنات، وهي ضغوط قد تنضج خطوة أميركية، أو مدعومة أميركيا في مجلس الأمن الدولي. ومؤخرا قال ديبلوماسيون غربيون ضالعون بالعملية السلمية، في أحاديث خاصة مع جهة إسرائيلية، أنه بقدر علمهم، هناك صيغة مبلورة لمشروع قرار ضد إسرائيل بشأن المستوطنات موضوعة بالتأكيد في درج مغلق في الأمم المتحدة.
فأميركا، ومعها الأسرة الدولية، ستطلب من نتنياهو كبح العربدة المتواصلة في المناطق، وتنفيذ قرار المحكمة العليا نصا وروحا، بلا ألاعيب. وبالمقابل، يتوقع أن يتعرض نتنياهو لهجوم من جانب المستوطنين، وكأنهم مظلومين، الذين سيطالبونه بتعويضهم بسخاء كبير على إخلاء المباني في عمونه، وبعدها في عوفرا، وأماكن أخرى. والأخيرون سيطلبون تعهدات بإنشاء عشرات، إن لم يكن مئات الحدات الاستيطانية البديلة في أرجاء الضفة، و «الحل الاستراتيجي» لحوالي 2000 وحدة استيطانية اقيمت على أراض فلسطينية خاصة، وقد يكون مستقبلها مشابها لعمونه.
ومن المتوقع أيضا أن يمر الائتلاف بهزّة. نفتالي بينت وأييلت شاكيد، رؤساء البيت اليهودي، يتوافقان مع متطرفي عمونه وشركاهم. وهم سيلوحون بالحل الاستراتيجي غير المتوفر إلا في أوهام المستوطنين، الأمر الذي قد يلهب المشاعر أكثر. وليس هناك وضع يمكن ن يفلح فيه نتنياهو، بقدر ما يكون ساحرا وسوبرمان، في أن يسوغ بأثر رجعي ألوف المباني التي أقيمت بشكل غير قانوني من دون أن يثير ضده غضب العالم، الذي وصفه هو نفسه في سلسلة إيجازاته الصيفية للصحافيين بأنه فقد الاهتمام بالنزاع العربي الإسرائيلي وصار معجبا بإسرائيل ومدين لها. وليست هناك فرصة أن الإخلاء المعد لنهاية كانون أول (إلا إذا استجابت المحكمة العليا لطلب التأجيل الذي سيقدم لها بعد الأعياد) سيمر بهدوء. وليس هناك احتمال بأن حزب البيت اليهودي بزعامة بينت الذي أكد مؤخرا ترسخه في اليمين الراديكالي، عبر سلسلة من التصريحات مثل تلك التي تهز المشاعر والتي دعت إلى «التضحية بالنفس من أجل يهودا والسامرة» يمكنها أن تبتلع إخلاء بعد إخلاء وتقول أن هذا شراب توت.
إن حياة نتنياهو في الدورة الشتوية للكنيست لن تكون مريحة.