يعمل قرابة 4000 صيّاد فلسطيني على تغطية احتياجات السوق المحلي لمليونيْ مواطن يعيشون في قطاع غزة من الأسماك والمأكولات البحرية، من خلال الصيد عبر المساحة المُقلّصة إلى ستة أميال فقط من الشريط البحري الممتدّ على 25 كيلومتراً على طول الشريط الساحلي لقطاع غزة.
التحق معظم هؤلاء بقطاع الصيد بالوراثة عن الآباء والأجيال السابقة، فيما واجهوا عبر سنين طويلة الكثير من التحديات في عرض البحر، وعلى برّ الأمان.
عدا عن التضيّيق المستمرّ والتعرّض للخطر المسلّط على حياتهم، من إطلاق النار والترهيب والتحرّش والاعتقال من قبل البحرية الإسرائيلية أثناء عملهم الشاق في المياه المحصورة ببوارج بحريّة الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وبوارج الجيش المصري من الجهة الأخرى، يواجه الصيادون صعوبة من ناحية تطوير عملهم، بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، والذي تنعكس آثاره السلبية على مختلف أوجه الحياة في القطاع.
وعلى الرغم من غلبة الطابع المأساوي، الناتج عن ممارسات الاحتلال وإعاقته الاستغلال الأمثل لساحل غزة، لا زال الصيد، يمثّل هواية طاردة للملل بالنسبة لحياة الكثير من الشبان، ومصدر رزقٍ يضع مسافة ولو صغيرة، بينهم وبين شرّ البطالة والكساد وويلات الحصار، كما يحتفظ العديد منهم بحق الترفيه عن النفس من خلال تلك الهواية، بعيداً عن ضجيج المدينة.
كل ما عليك فعله لتؤمّن احتياجات أسرتك اليومية من الغذاء هو قضاء بضع ساعات متسمّراً أمام تموّجات البحر، فقط احزم حقيبة الصيد الصغيرة، بأدواتها المتواضعة جداً: صنارة وعجينة الزيت والدقيق وإناءً لحفظ السمك، وكوبٌ من القهوة يمكن أن يزوّدك به أحد الباعة الجوالين عند الضرورة.
يحاول الشباب في غزة، من خلال العودة إلى هذه المهنة التقليدية استعادة هدوئهم النفسي والذهني، عدا عن الدخل الاقتصادي، وهو إن كان بلا عائد مادي ملموس، فإنّه يوفّر من الأسماك ما يكفي لتأمين طعام اليوم التالي قبل مجيء الليل.
يصوّر رامي، ابن السبعة عشر عاماً، والذي ترك مقاعد الدراسة قبل أربعة أعوام، المشهد صبيحة كل يوم جديد، حيث ينطلق من فراشه الدافئ نحو الميناء ومن ثم يبدأ برحلة الصيد اليومية.
يقول: "أخلع حذائي وأترك قدميّ ترتخيان في الماء، أرمي حبل صنارتي المحمّل بالطُّعم، وأجلس يومياً لساعات طوال ريثما تقع الأسماك واحدة تلو الأخرى في شراك الصنارة، أصطاد سمك السردين والبوري وأنواعاً أخرى من الأسماك الصغيرة الطافية على سطح الماء". ويضيف مجيباً عما جرى لمسيرته الدراسية: "كيف أترك شغلي وأروح على المدرسة؟".
لا يحصل رامي على مصروفٍ شخصيٍّ من عائلته التي لطالما واجهت الفقر والبطالة وقلة فرص العمل، إلا أنّه يحافظ، حسب قوله، على ادخار جزء ولو بسيط مما يتحصل عليه جراء بيع ما يصطاد للمارة والمتنزهين العابرين على كورنيش غزة. يهدف من ذلك لتوفير المال الكافي ليمكّنه من شراء قارب صغير يمكّنه من الالتحاق بركب الصيادين الآخرين، وهو الدخيل على هذه المهنة، في مواجهة مخاطر الاحتلال من جهة، ومخاطر مسؤوليات الحياة المادية والنفسية، واحتياجاتها المتنامية بشكل كبير، مع التقدم بالعمر، من جهة أخرى.
عند مقارنة هذه المهنة مع بقية المهن والصناعات الإنتاجية المحليّة التقليديّة في قطاع غزة، فإنّه يواجه كمعظمها تحدّياتٍ متشابهة ومتداخلة الحيثيات. فالإغلاق الإسرائيلي والحظر على إدخال المعدات اللازمة لتطوير الاقتصاد وعدم القدرة على توفير فرص العمل لشباب، في مهنة الصيد وغيرها، دفع بالكثير من شباب غزة إلى التعلق بالقشة التي يتعلق بها الغريق.
ومن الناحية الأخرى، فإن ما تتطلّبه حياة الشباب في غزة من مسؤوليات متضخمة، بكل ما فيها من أزمات اقتصادية واجتماعية، يبقى العبء الثقيل على كاهل الشباب وحدهم، دون قائد يلبي رغباتهم وأحلامهم، أو رفيق يساعدهم على عبور الطريق، أو العودة.