تعدّدت حكايات ومشاهد الهروب والهجرة غير المنظمة، لكّن الأمر ذاته يتكرّر دائماً بطريقة مشابهة.
المشهد الأول أحلام أوروبية زائفة تقدم للشباب المصري والعربي الذي يعيش في وطن انتهك كل حقوقه في حياة كريمة. أما المشهد الثاني فهو عبارة عن قوارب قديمة ومتهالكة تخرج من السواحل المصرية، مكدسة بأعداد كبيرة من هؤلاء الشباب الذين تركوا خلفهم أحلام أهالٍ باعوا كل ما يملكونه من أجل ذهاب أبنائهم إلى أوروبا بحثاً عن حياة كريمة.
قبل الخروج
تبدأ الرحلة عند الوصول إلى أحد أفراد عصابات التهريب، ويتم الاتفاق معه على مبلغ معيّن من المال للهجرة إلى أوروبا عبر البحر. يتم الأمر بسرّية وحرص كاملين حتّى لا يتم الإيقاع بأفراد العصابة من قبل جهات الأمن. يتم دفع المال إما في الوقت ذاته، أو عن طريق كتابة شيكات مالية على المسافر أو أهله أن يسدّدها حين يصل إلى أوروبا. يتراوح المبلغ غالباً بين الثلاثين والأربعين ألف جنيه إذا كان المسافر مصرياً، أمّا إذا كان أجنبياً فيدفع المبلغ بالدولار.
لا يتم إخبار المسافرين بموعد أو مكان السفر إلّا ليلتها أو قبلها بساعات قليلة. وغالباً ما يخُبئ المهربون المسافرين في أماكن غير معلومة، حتى يحين وقت السفر. يقول محمد (25 عاماً) إنّ المهرّبين وضعوه هو وحوالي مئة شخص آخر في غرفة لا تتّسع لنصف هذا العدد. ظلّوا في تلك الغرفة أسبوعاً تقريباً. في خلال تلك المدة كان المهرّبون يعدّون كل شيء، سواء التفاوض مع قوات أمن السواحل ومحاولة تقديم رشوة ومبالغ مالية لبعضهم، أو انتظار الوقت المناسب، على حد قوله. يقول محمد: "في إحدى الليالي دخل علينا المهربون يخبروننا أنّهم سوف ينقلوننا إلى القوارب بعد عدة ساعات لتبدأ الرحلة".
الموت في البحر
بعد منتصف الليل تقريباً تحرّك قارب التهريب من السواحل المصرية متّجهاً إلى إيطاليا (ارتفع عدد الأطفال النازحين إلى إيطاليا في الفترات الأخيرة، بعد القانون الذي تم تفعيله من قبل الحكومة الإيطالية، الذي ينص على استقبال الأطفال، تحت 18 عاماً).
يقول محمد: "كان القارب متهالكاً. بدا أنّه لن يتحرّك، وكان صغيراً جدّاً على أن يحمل هذا العدد من البشر الذين يقدرون بالمئات". بعد فترة بدأ محمد يتعرّف إلى الموجودين معه في القارب، كان هناك عدد كبير من الأطفال الذين لم تتعدَ أعمارهم الخمسة عشر عاماً، وعدد كبير أيضاً من السوريين الذين يبحثون عن اللجوء في أوروبا.
بسبب كثرة الناس الموجودين عليه، بدأ القارب بالتمايل. حاول الركاب توزيع أنفسهم على جوانب القارب حتى يتّزن قليلاً، لكنّه كان قد بدأ يمتلئ بالمياه. ارتفع صراخ السيدات والأطفال.
من أكثر المشاهد قسوة التي رآها محمد، حسب قوله، امرأة حامل بدأت تنزف نتيجة حركة القارب القوية. لكن المشهد الذي لن يفارق ذاكرته، كما يقول، هو سقوط طفل رضيع من يد أمه في البحر بسبب الموج.
بعد ساعات قليلة غرق المركب. استطاعت القوات البحرية أن تنقذ عدداً قليلاً من المهاجرين، فيما غرق المئات. استطاع محمد أن يصمد لساعات حتى وصلت المساعدة، لكنّه في تلك الساعات كان يرى جثثاً تطفو على سطح البحر.
عاد محمد إلى السواحل المصرية بعد عدّة ساعات من خروجه، لكنه يقول: "سأخوض الرحلة مرة أخرى. لا يوجد حلّ أخر، أهلي باعوا كُل شيء يملكونه من أجل هذا، لا يمكن أن أخيّب آمالهم. لم أعد أخاف الموت، لقد رأيته بعيني. أتمنى أن أنجح هذه المرة في الوصول".
حكايات ما بعد الوصول
لم يكن الوصول إلى أوروبا سهلاً لهؤلاء الشباب الذين عبروا آلاف الأميال، وقضوا أياماً طويلة في البحر. وسريعاً ما سيكتشف هؤلاء أنّ كلّ ما سعوا إليه كان وهماً وأحلاماً زائفة، كما يقول خالد الذي يبلغ من العمر 17 عاماً.
يتحدّث الشاب عن رحلته التي حصلت قبل عامين، واستغرقت قرابة أسبوع في البحر، وبعد أن وصل إلى إيطاليا تم إيداعه في أحد الدور الخاصّة برعاية النازحين. يقول خالد: "الحياة هنا صعبة للغاية. صحيح أنّه تتم رعايتنا، ونذهب إلى المدرسة للتعلم، لكننا أتينا إلى هنا من أجل أن نعمل ونكسب المال لنساعد أهالينا في مصر، وقد يدفع هذا البعض للهروب من دور الرعاية".
تشير إحدى العاملات في منظمات مساعدة النازحين في إيطاليا إلى أنّ معظم المهاجرين لا يجدون عملاً حقيقياً بسبب وضعهم غير المقنّن أو عدم إتقانهم اللغة. تضيف: "بعض الشباب الذين هم في الأصل لم يكونوا مثليّي الجنس، يتم استغلالهم جنسياً مقابل المال، فيما يلجأ آخرون لممارسة جرائم السرقة وتجارة المخدرات من أجل المال".
يحكي حلمي (52 عاماً) الذي كان مهاجراً إلى اليونان بطريقة شرعية وقضى معظم حياته هناك، أنّه كان هو وعدد من أصدقائه يساعدون الشبّان العرب الذين يأتون إلى اليونان بطريقة غير قانونية.
يقول: "منذ عدة سنوات جاء إلى اليونان شاب من الريف المصري عمره لا يتعدى العشرين عاماً، كان عاملاً للبناء، يعمل ليل نهار، ليسدّد الأموال التي استدانتها عائلته ليسافر. كان يعمل تقريباً لمدة 18 ساعة في اليوم، لكن كان يهوّن عليه أنّه قادر على إرسال المال ليدفع أهله ديونهم ولمساعدتهم على العيش. وبينما هو يعمل في طابق مرتفع في إحدى البنايات، فتح باب المصعد ليركبه، لكنّ المصعد لم يكن موجوداً، فسقط ميّتاً".
هناك بعض الشباب الذين لا يتحملون العيش بهذه الطريقة، ويتواصلون مع السفارة المصرية لإعادتهم إلى مصر. لكنّ السفارة دائماً ما تخبرهم بأنّهم إذا أرادوا العودة مرة أخرى إلى الوطن، فعليهم أن يوفّروا ثمن تذكرة الطيران التي تعود بهم، وهو الأمر الذي لا يقدر عليه معظمهم.
مشاهد نهاية متشابهة
ربّما يكون مشهد النهاية بشباب لا يجدون كسرة الخبز الحافي والنوم في شوارع أوروبا التي تكشر لهم عن وجهها الحقيقي، أو بالغرق في عرض البحر. لكن المشهد الأفضل هو في تحقيق استقصائي مصور بعنوان "باب شرق" أجراه الصحافي سامح اللبودي: مهاجر سوري يصوّر نفسه بموبايله على أحد قوارب الهجرة غير المنظمة وهو يغني مع مهاجرين آخرين وهم في عرض البحر: "ألمانيا ألمانيا.. رايحين على ألمانيا".
(القاهرة)