روشتة الإصلاح في مصر تقترب من تحديد أبعاد الصورة الكاملة لإصلاح الموقف الاقتصادي والمالي في البلاد بعد شهور من التشخيص والتوصيف وطرح البدائل لمواجهة ما نحن فيه من أوضاع مختلة. قامت القيادة السياسية علي مدي شهور، أيضا، بمصارحة الشعب بحقائق الحالة الاقتصادية بكل شفافية وبعيدا عن مسكنات الماضي وهو ما لم يرق للبعض فراحوا يكيلون الاتهامات بالفشل وعدم القدرة علي الحسم وغياب الرؤية, بينما في واقع الأمر لم يبصر هؤلاء حقيقة أن مصر لم تكن أسعد حالا عندما خرج شعبها يهتف «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» في يوم الخامس والعشرين من يناير قبل أكثر من خمس سنوات. أزمات مصر ليست وليدة اليوم، وليس من المنطقي أن يخرج إعلاميون ويقولون إن الوضع قبل يوم 24 يناير 2011 كان أفضل من اليوم بكثير، حيث تمتد أسباب وجذور الأزمات إلي عقود طويلة من التخاذل في المواجهة، ثم أضافت لها السنوات الخمس الأخيرة أبعادا أخري نتيجة عوامل عدة منها تزايد الإرهاب والعنف وانعاكسه علي الوضع الأمني.. ومن ثم أثر ما سبق علي صورة مصر في العالم الخارجي.. وبعدها تدهورت حركة السياحة وانخفضت عائدات قناة السويس، ثم زادت الأعباء في الموازنة العامة للدولة نتيجة زيادة بنود الأجور والمرتبات تحت ضغط المطالب الفئوية بينما تراجعت الصادرات المصرية وارتفعت حركة الواردات وتكلفة السلع الأساسية.
توقف عجلة الإنتاج في مصر وتقلص موارد الدولة بعد أزمات متلاحقة وغياب خريطة واضحة لمرحلة ما بعد تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم الهبوط الكارثي للإخوان علي مقاعد الحكم بعد ارتباك في أوساط النخبة وسذاجة وتواطؤ البعض، أوصلت البلاد إلي مؤشرات مقلقة علي أصعدة عدة.
وبعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 أضافت رغبة المصريين في انتشال بلادهم من وحل جماعة إرهابية مدعومة من قوي خارجية عبئا إضافياً علي كاهل الاقتصاد، حيث راحت معاول كثيرة تطلب رأس الدولة المصرية التي رفضت هيمنة تيار رجعي علي مقاليد السلطة فكانت النتيجة إرهابا ضد المدنيين وضربا للمصالح العليا في الدولة ومواردها ممثلة في جماعات مجرمة في سيناء، والإجهاز علي موارد السياحة المصرية بتخطيط شيطاني يقتص من الشعب قبل سلطة الحكم، ثم تظهر عصابات الاتجار في العملة الصعبة من أنصار الجماعة الإرهابية ومناصرين لها وعصابات أخري تقوم بالمتاجرة في السلع الرئيسية التي تعني السواد الأعظم من المصريين، بينما يقوم فصيل مجرم ثالث بإشاعة الأكاذيب بطول مواقع التواصل الاجتماعي وعرضها والتحريض المتواصل ضد الدولة والشعب وإثارة أزمات وتضخيمها أو بالأحري افتعالها في معظم الأحوال.
تؤمن القيادة السياسية بضرورة الإقدام علي حلول جذرية تؤدي في نهاية المطاف إلي إصلاح متكامل، وهو غاية ما ينشده الرئيس عبدالفتاح السيسي من العملية الدائرة حاليا التي تري الضوء في نهاية النفق بعد أن أقدمت الحكومة علي تمويل استثمارات عملاقة في البنية التحتية وفي مد شبكات الطرق، وحل أزمة الكهرباء بسرعة غير مسبوقة لم يكن أحد يتخيل أن الحكومة قادرة علي إنجازها في وقت قصير للغاية. ولأننا عادة ما ننسي، لا يتذكر الناس اليوم ما جري من تأمين للجبهة الداخلية بعد موجة عنف أراد المخططون لها في عامي 2013 و2014 أن تغرق مصر في الفتنة الطائفية والحرب الداخلية بين فئات المجتمع.. ولا يأتي علي ذاكرة الناس أيضا الظلام الدامس الذي انتشر وزاد بسبب استهداف أبراج الكهرباء لمدة طويلة من جانب العناصر المجرمة وهو الاستهداف الجبان الذي حاول أن يوقف عجلة الإنتاج تماما، إلا أن المصريين صبروا حتي عبروا تلك المحنة بصبر وجلد وعزيمة أمة عظيمة.
قدم الرئيس بوضوح المشهد الحالي المتأرجح ما بين إنجازات في مشروعات كبري تتصاعد وتيرتها من جانب، وبين ضغوطات اقتصادية تراكمت تبعاتها علي مدي عقود. في حواره الأخير مع الصحف القومية قال السيسي عن الوضع الراهن: «كنت أعرف تشخيصه منذ زمن، قبل أن أتولي الرئاسة.. وصارحت الشعب بحقيقة الأوضاع منذ البداية»، ثم يضيف «إننا نعاني من أعراض نقاهة من مرض مزمن» ويعتبر السيسي أن مصر في عنق زجاجة في سبيلها للخروج منه، إلا أن الخروج يحتاج إلي إجراءات اقتصادية صعبة، وإلي قدرة علي التحمل حتي تجني الثمار، وهي الإجراءات التي لم يقدم أحد علي المضي فيها في السابق.
وقد جاء وقت تفعيل الإجراءات الاقتصادية في ظل دراسة للأبعاد الاجتماعية وتوفير الحماية المحدودي الدخل والطبقة المتوسطة بما يضمن وصول الدعم إلي مستحقيه دون غيرهم وخفض فاتورة الدين، وهو لن يتحقق إلا من خلال إعادة صياغة منظومة الدعم وتفعيل برامج حمائية لمحدودي الدخل بحيث تكون «الحمائية» مقترنة بإجراءات الإصلاح.. ولا ننسي أن السيسي يضع عاملا آخر في حسبانه لتمرير ونجاح برامج الإصلاح ويمنحه أولوية قصوي ألا وهو إيمانه بقدرة المصريين علي تحمل تبعات الإصلاح طالما كانت لديهم ثقة في صانع القرار السياسي. غاية المشروع الوطني اليوم هو تحقيق الكرامة للمصريين وعدم مد اليد بطلب المساعدة من أحد أو الاعتماد علي المعونات من دول شقيقة أو صديقة، والهدف السابق لن يتحقق دون دوران عجلة الإنتاج الصناعي وزيادة معدلات الصادرات وتقليص حجم الواردات بشكل كبير.
إن تراجع سعر الدولار خلال اليومين الماضيين في السوق الموازية يؤكد أن الأزمة في سعر الصرف ليست فقط في قيمة الجنيه ولكن أيضا في المضاربة علي العملة من جانب أطراف يريدون حصد مكاسب ضخمة من السوق الموازية، وآخرين يريدون الإضرار بالاقتصاد المحلي.. وجاء الانخفاض الكبير في سعر الدولار بعد صعوده إلي أكثر من 18 جنيها ليؤكد أن المواجهة الحازمة بقرار البنك المركزي أمس بتحرير سعر الصرف والمخطط لها تعيد الثقة للسوق وتلجم الارتفاعات غير المنطقية وهو منهج نتمني أن يستمر في مواجهة المتاجرين بالسلع الرئيسية لأن إعادة تسعير السلع الاستراتيجية يتلقفه التجار ومحترفو تخزين السلع لتحقيق مكاسب أكبر وإيجاد أزمات لا تنتهي في السوق وهنا تأتي قيمة ما تفعله هيئة الرقابة الإدارية من ملاحقة للعناصر التي تتلاعب بقوت الشعب. بينما يتوقع الرأي العام أن تتحرك هيئات التفتيش في الوزارات المعنية بشكل أكثر حسماً لضبط الأسعار وأعني هنا مفتشي التموين التابعين للوزارة وجهاز حماية المستهلك.
وما يؤكد حركة القيادة السياسية في اتجاهات مختلفة من أجل إعادة ضبط بوصلة الاقتصاد وسوق الصرف والشروع في برنامج إصلاح طموح وايجاد مناخ جديد للاستثمارات عن وعي بضرورة مواجهة المشكلات بحلول تتوافق مع طموحاتنا في نقلة نوعية في الاقتصاد المحلي ما خرج به أول اجتماع للمجلس الأعلي للاستثمار يوم الثلاثاء الماضي. فقد اعتبرت القوي السياسية القرارات الخاصة بدعم الاستثمار، خاصة في الصعيد، بمثابة ثورة اقتصادية يمكنها أن تنهض بالزراعة والصناعة بعد أن نصت القرارات علي منح الأراضي المخصصة للمشروعات الصناعية مجانا وإعفاء استصلاح الأراضي الزراعية من الضريبة علي الأرباح تشجيعا للإنتاج المحلي والتصدير. ولو ترجمت الوزارات المعنية قرارات المجلس الأعلي للاستثمار إلي خطوات فورية وفي توقيت متزامن يقوم البرلمان ببحث تعديلات تشريعية لازمة لتفعيل القرارات، فإننا نكون قد كسبنا جولة في معركة خلخلة الروتين الحكومي المزمن في التعامل مع الاستثمارات الجديدة. ولأن الصورة ليست قاتمة مثلما يصور البعض، فإننا نبني علي تحسن في صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، حسب ما أعلنت وزيرة الاستثمار داليا خورشيد، حيث ارتفع بمقدار 7.2 % في السنة المالية المنتهية في يونيو الماضي بقيمة 6.84 مليار دولار في مقابل 6.38 مليار دولار في السنة المالية 2014/2015 نتيجة ارتفاع صافي الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات وزيادة رؤوس أموال تلك الشركات، وهو ما يعني أن القرارات الأخيرة يمكن أن تطلق العنان لتأسيس الشركات والمشروعات الجديدة بعد إزالة معوقات وتقديم حوافز مهمة.
......ز
السلطة السياسية تعمل من منطلق إصلاح ما أفسده الدهر في مرحلة تراكمت فيها سلبيات مراحل سابقة، ولم يعد من الممكن ترك الدولة تحت رحمة المتغيرات السياسية من حولنا في المنطقة العربية والشرق الأوسط، فلو تعاملنا مع قضية عودة السياحة أو زيادة موارد قناة السويس أو الاعتماد علي تحويلات المصريين في الخارج باعتبارها المصادر الرئيسية للدخل القومي والعملة الصعبة فلن يكون ذلك مجدياً في ظل الظروف القائمة.. وفي ظل الزيادة السكانية الكبيرة.. وفي ظل وجود شريحة واسعة من الشباب الذي ينتظر فرص عمل في بلده.. الأجدي في مواجهة مشكلات مسكوت عنها بالعودة إلي الإنتاج من خلال تنشيط الاستثمارات في القطاعات الزراعية والصناعات التحويلية، سواء الاستثمار الأجنبي المباشر أو تشجيع الاستثمار في المشروعات الصغيرة والمتوسطة وفقا لرؤية متماسكة تحفز المستثمر المحلي وتزيل العقبات من طريقه.
المصارحة والإصلاح
مصدر الخبر
الأهرام