تخيلوا سيناريو تستطيع فيه الشرطة ضبط كل القائمين على الصفحات التى تسرب امتحانات الثانوية العامة، وفى مقدمتهم «صفحة شاومينج»،أو حتى تخيلوا أننا أغلقنا كل وسائل التواصل الاجتماعى، وتوقف التسريب فهل سيختلف حال التعليم عندنا، ويتطور إلى الأحسن؟!.
للأسف، لن يتغير شىء كبير، بل سنستمر فى السير للخلف، متوهمين أننا نسير للأمام.
ما فعله شاومينج وأمثاله ــ رغم اعتراضنا الكامل عليه ــ أنه فضح هذه الصورة الوهمية للتعليم، التى تجعل مصير طالب يتوقف فقط على قدرته للتحول إلى آلة ميكانيكية للحفظ والتلقين.
يوم الأحد الماضى نشرت جريدة «الشروق» خبرا مهما لمراسلها فى أسيوط الزميل يونس درويش يقول إن 120 طالبا غالبيتهم من أبناء الضباط والقضاة والنواب وكبار المسئولين بالمحافظة قرروا فى اللحظات الأخيرة تحويل أوراقهم إلى إحدى مدارس البدارى بأسيوط ليؤدوا فيها امتحانات الثانوية العامة.
لم يتحرك أحد ليشرح لنا لماذا تم هذا الأمر فى هذا الوقت تحديدا، الأمر الذى يفتح بابا واسعا للشك والريبة. نسأل بوضوح عن التحويل فى آخر لحظة إلى لجان الامتحانات وليس إلى ادارة البدارى التعليمية الذى يفترض ان يتم من بداية العام؟!.
هذه النوعية من التعليم نتيجتها اما طلاب مجتهدون ينجحون بمستواهم ولكن بمنهج التلقين وبالتالى لن يكونوا موهوبين، وإما ناجحون بالغش يتخرجون بأموال أسرهم الغنية من جامعة خاصة. والنتيجة خريج يضاف إلى طابور طويل من الفشلة وعديمى الخيال والكفاءة.
إذا كانت الحكومة جادة فعلا فى إصلاح أحوال هذا البلد فعليها أن تبدأ من الآن فى إصلاح التعليم قبل أى ملف او قضية اخرى. عليها أن تبدأ فى طرح حوار مجتمعى حقيقى وفعلى وليس مضروبا، كى نبدأ من الآن، لأن الأمر سوف يستغرق وقتا طويلا.
إصلاح التعليم يحتاج مساهمة الجميع، وليس فقط وزارة التعليم، مع كل التقدير لها وللوزير الدكتور الهلالى الشربينى.
القضية ليست فقط كثافة الفصول أو عددها، أو مناهجها أو مرتبات المدرسين، مع أهمية كل هذه العناصر.
الموضوع الجوهرى هو: ماذا نريد من التعليم، وأى نوع من التلاميذ والطلاب نريدهم فى المستقبل، هل خريج يحفظ ويسمع وينفذ الأوامر، أم يناقش ويفهم ويجادل وينتقد ويسأل؟!.
السؤال الثانى الجوهرى: كيف يمكن لدولة تريد أن تتقدم أن تسمح بوجود جزر تعليمية مختلفة؟!.
لدينا عشرات الأنواع من التعليم: رسمى شبه مدمر، ومدارس لغات بآلاف الجنيهات للأغنياء جدا، وبينهما خليط مشوه من مدارس دينية وخيرية وبين بين.. والنتيجة خريجون إما قلة سوبر يجدون فرص عمل بسهولة أو كثرة غير مؤهلة، لا يحتاجها سوق العمل.
الجميع يتمسك بمجانية التعليم، وهى شىء مهم شرط أن يتحقق الهدف منها، ويتعلم الجميع تعليما حقيقيا وليس صوريا يحصل فى نهايته الشخص على شهادة بلا قيمة.
مربط الفرص هو الفكرة الآتية: غالبية المصريين يدفعون دروسا خصوصية او مدارس خاصة ولغات كل عام تتراوح بين خمسة آلاف إلى مائة ألف لكل تلميذ أو طالب من الحضانة إلى الجامعة. أموال طائلة تذهب إلى جيوب حفنة من اصحاب المدارس الخاصة، والمدرسين المنهكين بين المدارس والسناتر والشقق المفروشة وفصول التقوية عديمة الجدوى للأسف.
إذا كانت غالبية الناس تدفع أموالا طائلة لتضمن لأولادها تعليما جيدا ولا تحصل عليه، فلماذا لا نفكر بصورة أخرى؟! لماذا لا تقرر الدولة بعد نقاش أن تحصل على هذه الأموال من أولياء الأمور بصورة شرعية شرط أن يكون هناك تعليم واحد وجيد للجميع، على أن تضمن الدولة لأولاد الفقراء حق التعليم المجانى؟!
لماذا لا تذهب أموال الدروس الخصوصية إلى مسار حقيقى ورسمى بحيث يتم تحسين أحوال كل المدرسين وبناء مدارس حقيقية، والأهم ضمان أن يحصل الجميع على نفس التعليم والأفكار والمناهج المنحازة للقيم والأفكار التقدمية المستنيرة؟! هذه الفكرة أطرحها على وزير التربية والتعليم والتعليم الحالى والدكتور طارق شوقى وكل خبراء التعليم ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.
للأسف الشديد من دون إصلاح التعليم والصحة إصلاحا حقيقيا، فكل المشروعات الأخرى ستظل ناقصة.. وتلك هى المشكلة. وما سنبنيه من مشروعات ضخمة ستهدمه العقليات التى تتخرج من هذا التعليم الفاشل!!.