الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

الحركة النقابية المصرية: إمكانيات ميلاد جديد

الحركة النقابية المصرية: إمكانيات ميلاد جديد
الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخراً، تعني في جوهرها تحوّلاً جذرياً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للقطاعات الأوسع من المصريين.
فما جرى تحريره ليس فقط سعر صرف العملة، بحيث أصبحت خاضعة للعرض والطلب، بل تمّ تحرير العلاقات الاقتصادية بشكل شبه كامل، فأسعار السلع والخدمات وعلاقات العمل، فضلاً عن سعر العملة أصبحت خاضعة مُباشرة لقوانين السوق والعرض والطلب.
وما تقوم به الدولة من إجراءات اجتماعية سواء بتوفير سلع مدعومة للطبقات الفقيرة أو بمنح معاشات استثنائية أو برامج ضمان اجتماعي لا يبدو كافياً لتخفيف الصدمة على الطبقات الفقيرة.
وإذ تتراجع الدولة عن دورها الاجتماعي في تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات، تظهر بقوة أهمية النقابات التي ينصبّ دورها على الدفاع عن مصالح أعضائها. وهناك أمثلة واضحة على أهمية تنظيم أصحاب المصالح المشتركة وضغطهم لتحقيق مصالحهم. فمثلاً، عندما أصدرت الدولة قانوناً بفرض ضريبة على تعاملات البورصة، عمد كبار المتعاملين في البورصة إلى الضغط مُباشرة على الدولة بدفع مؤشرات البورصة للتراجع عمداً، حتى اضطرت الدولة إلى تأجيل تطبيق القانون مرتين.
وعندما اجتمع المجلس الأعلى للاستثمار بحضور مُمثلين عن المستثمرين، صدرت قرارات بمزايا سخيّة للمُستثمرين في تخصيص الأراضي والإعفاء من الضرائب.
الطرف الذي غاب عن المائدة عند إصدار القرارات والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية، لم تُراعَ مصالحه بطبيعة الحال في تلك التشريعات. فقرارات تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الوقود، وقرارات تحفيز المستثمرين، وقبلها قانون ضريبة القيمة المُضافة، وقانون الخدمة المدنية، وحتى الموازنة العامة للدولة، أظهرت انحيازاً واضحاً للمُستثمرين وتجاهلاً لمصالح الطبقات الفقيرة. وبينما تجري اليوم مُناقشة مشروعات قوانين تنظيم علاقات العمل، مثل قانون العمل الجديد وقانون النقابات العمالية، تبدو أيضاً مصالح الطبقة العاملة غائبة عن التمثيل وما ظهر من مسوّدات تلك التشريعات لا يبشّر بالخير.
الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن الحركة النقابية في العديد من الدول وقفت كرأس حربة في مُقاومة سياسات «صندوق النقد الدولي»، التي كانت دائماً مُنحازة ضدّ الطبقات الفقيرة. ففي المكسيك والأرجنتين والبرازيل وأندونيسيا وكوريا الجنوبية واليونان، كانت الحركة النقابية هي المُقاوم الأول بدعم وتأييد ومساندة من أحزاب اليسار ضدّ السياسات التقشفية التي أملاها «صندوق النقد الدولي» على تلك الدول في مراحل مختلفة.
ولكن الحقيقة الأخرى التي يجب عدم إغفالها، هي حال الحركة النقابية في مصر. فالنقابات العمالية المُستقلة، التي بدأت تتشكّل خلال موجة الإضرابات الكبرى قبل «ثورة يناير»، واستمرت في التشكّل بعدها، وأدّت دوراً رئيسياً في تنظيم الحركة العمالية وتطويرها، يبدو عليها التفكّك والضعف حالياً بسبب غياب الخبرات التنظيمية وانسياقها سياسياً خلف الدولة. فبدأت تنفصل عن قواعدها، ولم تحصل على الاعتراف من قبل الدولة والتنظيم النقابي المُوالي لها في الوقت نفسه. أما التنظيم النقابي الرسمي، فهو مُؤيد بشكل عام لسياسة الدولة، ولا يتحرّك عادة إلا لدعم سياسة الدولة وسط العمّال. وعلى الرغم من تماسك النقابات المهنية، تحمل تركيبتها تناقضات قد تُعوّق حركتها، فالنقابة ذاتها تضمّ صاحب العمل والعامل بمصالحهما المُتناقضة، فنقابة المهندسين تضمّ المُهندسين من أصحاب المصانع والمُهندسين العاملين لديهم. الأمر نفسه في نقابات الأطباء والصيادلة والمُحامين. كما أن نشاط النقابات المهنية عامّة، لم يتجه للتحركات الاجتماعية والاقتصادية إلا نادراً، وأغلب مواقفها كانت ذات طابع ديموقراطي وسياسي.
على الرغم من الاحتياج الشديد لحركة نقابية قوية ومُتماسكة وقادرة على خلق توازن في المصالح بين رجال الأعمال والمُستثمرين المدعومين من قبل الدولة والطبقات الكادحة التي تتضرّر بشدّة من السياسات الاقتصادية التي تُطبّقها الدولة، فإن الحركة النقابية، سواء الرسمية أو المستقلة والعُمّالية أو المهنية، إما غير راغبة أو غير قادرة على سدّ الفراغ في التنظيم وخلق التوازن في المصالح.
لا يُمكن فهم الضعف الذي تُعانيه الحركة النقابية في مصر، إلا في سياق الضعف العام الذي تعانيه كافة التنظيمات الجماهيرية في مصر، فالضعف الذي تعانيه النقابات جزء من الضعف الذي تُعانيه الأحزاب والقوى السياسية والاتحادات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني. وعموما، نجحت السياسة الأمنية للدولة في إضعاف كلّ أشكال التعبير والتنظيم في المجتمع.
ولكن هذا الضعف العام في الحياة النقابية، لم يمنع النقابات من خوض معارك مهمة خلال الفترة الماضية. حتى إنه يمكن القول إن التحديات الحقيقية التي واجهت النظام في مصر كان أغلبها من قبل النقابات. فقانون الخدمة المدنية، الذي كان أحد شروط قرض «صندوق النقد الدولي»، الذي نظّمت نقابات المُوظفين حركة مقاومة غير مسبوقة ضدّه، اضطرت الدولة لتأجيله وتعديل بعض بنوده. وعلى الرغم من أن التعديلات لم تُغيّر الكثير في القانون، إلا أن النقابات المُستقلة للموظفين لم تترك القانون يمرّ بصمت. كذلك حشدت نقابة الأطباء أعضاءها بالآلاف احتجاجاً على الاعتداء على طبيب أثناء عمله من قبل الأمن، وخاضت معركة ممتدّة حتى مُحاكمة عناصر وزارة الداخلية الذين قاموا بالاعتداء، وصدور حكم بالحبس ضدّهم. نقابة الصحافيين أيضاً انتفضت ضدّ اقتحام الأمن مبناها والقبض على صحافيين من داخلها. هذا على سبيل المثال، بالإضافة لمعارك أخرى خاضتها نقابات المحامين والمعلمين المستقلّة والصيادلة والمهندسين والنقل العام وغيرها.
وعلى الرغم من الضُعف الذي تعانيه الحركة النقابية، حملت في الفترة الماضية بذور القدرة على إعادة بعث الحياة في الشارع المصري، واتخاذ مواقف قوية في لحظات صعبة.
الأمر الآخر هو أن الحركة النقابية الحقيقية تولد بالفعل خلال المعارك، وربما تكون تجربة النقابات المستقلّة المصرية في عام 2008 خير دليل على ذلك. فمع اندلاع الإضرابات العمالية في مصر في نهاية عام 2006، أكد التنظيم النقابي الرسمي تبعيته للدولة ووقف ضدّ احتجاجات العمال، فبدأت تتشكّل النقابات المُستقلّة التي قادت حركة العمال ونظّمتها.
الإجراءات الاقتصادية التي تمضي الدولة قدماً في تطبيقها مُلقية بأعباء غير مسبوقة على الطبقات الفقيرة، ولّدت غضباً مكتوماً يُوشك أن يتحوّل إلى حراك جديد. ومبادرة الحركة النقابية المُستقلّة والمهنية لأداء الدور القيادي في هذا الحراك، فرصة نادرة لميلاد حركة نقابية قوية ومُتماسكة قادرة على خلق التوازن بين مصالح الطبقات الاجتماعية. وإذا لم تتوفر تلك المُبادرات، فستكون الساحة مفتوحة لبناء حركة نقابية جديدة تسدّ الفراغ النقابي الكبير. وسواء بادرت الحركة النقابية الموجودة بالفعل إلى القيام بدورها، أو ولدت من رحم الحركة نقابات جديدة، فإن وجود حركة نقابية قوية ومُتماسكة ومدعومة من الأحزاب والقوى السياسية المُنحازة للطبقات الفقيرة، هو الضامن الوحيد لا فقط لخلق التوازن في المجتمع بين المصالح المتضاربة وخلق تمثيل حقيقي للفقراء عند اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، ولكنه أيضاً الضامن الأكيد ألا تتحوّل حركات الاحتجاج المقبلة إلى حالة الانفلات والفوضى.
مصدر الخبر
جريدة السفير

أخبار متعلقة