كالمعتاد عندنا اليمين يحتفل واليسار يلبس ثياب الحداد. وسائل الاعلام مرة اخرى منقطعة، مغلقة الحس ومتهمة. والعالم كعهده يسير. يخيل لي أن هذا يحصل هذه المرة بشكل مبكر. فليس لليمين بعد اسباب حقيقية للاحتفال. كل ما يوجد هو مؤشرات. وهذا يمكن أن ينتهي مثل مؤشرات النفط التي عثر عليها في بلادنا في الستينيات والسبعينيات. صحيح ان الرفاق رودي جوليان، نيوت غينغرتش، جون بولتون، مايك بنس وسارة فيلين يمكنهم ببساطة أن يحلوا محل نفتالي بينت، اوري ارئيل، آييت شكيد، بتسليئيل سموتريتش وبوغي يوغاف في قيادة البيت اليهودي، لكن في أميركا لا يقرر الا شخص واحد. الرئيس. ما يحصل بين أذنيه في هذه اللحظة هو لغز تام، وما سيحصل هناك لاحقا، كما أسلفنا.
يخيل لي ان حتى بنيامين نتنياهو نفسه بعيد عن حالة النشوة. فهو يعرف انه لا يمكن معرفة أي ترامب سنحصل عليه في كانون الثاني، وحتى لو حصلنا على ذاك الذي أردناه، فهو يمكنه أن يتبدل في شباط وان ينقلب علينا في كل لحظة معطاة. السبب بسيط: ليس لترامب أيديولوجيا. فهو لا يدعم اسرائيلي لاسباب دينية، وهو لم يتربَّ او يترعرع في حضن الدعم لاسرائيل، وموقفه الحقيقي من اليهود بارد في افضل الاحوال، ويقترب من اللاسامية في الحالة الاقل جودة. وبالمناسبة، يجدر بكل الفرحين والمبتهجين من اليمين ان يتابعوا الاستيقاظ المقلق للاسامية الذي جلبه معه ترامب.
لا يعنى الرئيس الاميركي المنتخب الا بالمصالح. من يتابعه يعرف ان هذه ليست المصالح القومية الاميركية، بل مصالحه هو نفسه. فترامب هو النرجسي الكامل، يحب نفسه حتى الثمالة، وكل ما يتعارض مع هذا الحب، سيبعد. هو رجل اعمال أفلس مرات أكثر من خسائر شمعون بيريز، هيلاري كلينتون واسحق هرتسوغ معا، وأثرى من كل مثل هذا الافلاس. يحتمل أن يحتفل اليمين معه، فيضم المناطق، يهدم الاقصى ويقيم الهيكل الثالث. ولكن بنفس القدر يحتمل الا يكون.
واضافة الى ذلك: لدى هيلاري كلينتون عرف نتنياهو الى هذا الحد او ذاك، ما كان ينتظره. سلبيا ولكن ايضا ايجابيا. فمحبة اسرائيل لدى الكلينتونيين هي ميزة غريزية، بنيوية، تتدفق في الدم. صحيح ان سياسة نتنياهو لا تطيب لهما والرجل نفسه يستطيب لهما اقل. فهما يعارضان المستوطنات، وما العمل. وقريبا سيخرج هذا عن القانون في اسرائيل ولكن هذا في اميركا لا يزال شرعيا. من جهة اخرى، فان الكلينتونيين محبان جدا للفكرة الصهيونية وهما محوطان بيهود صهاينة وملتزمان بايباك، بالمؤسسة، بالتقاليد، بالتاريخ، بالمصالح المشتركة. من ناحية هيلاري، فان الامتناع عن استخدام الفيتو على قرار مناهض لاسرائيل في مجلس الامن هو قرار ضخم لمرة واحدة في الجيل، روبيكون لم يتم اجتيازه ابدا ومشكوك ان يتم اجتيازه. هي قادرة على اتخاذ مثل هذا القرار ولكن هذا سيكلفها صحتها وسيشكل هزة ذات مغزى.
أما من ناحية ترامب فهذا قرار ككل القرارات، وهو قادر على اتخاذه في ربع ثانية من تشتت الانتباه، الغضب او الفتيل القصير. ويهمه اقل بكثير كيف سيرد ايباك على مثل هذا القرار. فقد انتصر بدون ايباك هذه المرة، وهو لا يعول على المال اليهودي في المرة التالية ايضا. شيلدون أدلسون هرع الى نجدته فقط في الشوط الاخير من السباق، الذي استمر اكثر من سنة. وترامب لا يرى نفسه مدينا لادلسون. واذا كان سيعين نيوت غينغرتش في منصب وزير الخارجية، فهذا سيكون تطورا ذا مغزى. غينغرتش ملتزم بادلسون بقدر لا يقل عن نتنياهو نفسه، وعليه فان الوضع الذي سينشأ هو ان وزير الخارجية الاميركي يأكل من ذات الصحن مع رئيس وزراء اسرائيل. وهذا ايضا، اذا ما حصل، لا يضمن لنا شيئا.