قد تتفاجأ الحكومة وأجهزة الأمن فى الأيام المقبلة بصفحة أو جماعة أو حركة مجهولة تعلن الدعوة إلى مظاهرات تحت أى مسمى فى 12/12 أو 1/1 أو 2/2 أو أى موعد آخر.
مرت الدعوة للمظاهرات فى 11/11 من دون أى تأثيرات تذكر، باستثناء مظاهرات محدودة فى بعض المحافظات.
لكن تكلفة استعداد الحكومة كانت عالية، طبقا للمشاهدات التى كانت موجودة على الأرض.
والسؤال البديهى هو: هل ستقوم الحكومة فى كل مرة بمثل هذا الحشد الذى رأيناه يوم الجمعة الماضى 11/11؟.
بالطبع لا يمكن أن يحدث ذلك، وإلا لتم استنزاف الحكومة وانهاكها فى وقت قصير. من البديهى أنه لا يوجد جهاز أمنى واحد فى العالم يمكن أن يظل مستنفرا وجاهزا طوال الوقت. عند لحظة معينة سوف يتعب وينهك وقد ينهار. وبالتالى فمن العبث أن يتم تحميل الأمر لأجهزة الأمن فقط، خصوصا أن القضية برمتها ليست أمنية بالكامل، بل متعددة الأوجه. جماعة الإخوان وربما جماعات مجهولة صغيرة هنا وهناك ستلجأ أغلب الظن إلى تحديد مواعيد جادة أو هزلية لمظاهرات تحت مسميات مختلفة قريبة من ثورة الغلابة ومرتبطة بالجوع والفقر والبؤس والحرمان.
وبما أن الحكومة لن تكون قادرة على استنفار أجهزة الامن المختلفة 24 ساعة يوميا لمدة طويلة، فالحل العبقرى هو أن تعدل الحكومة سياساتها ليصبح الظهير الحقيقى لها هو الشعب، وليس فقط أجهزة الأمن. دور الأمن أن يمنع الجريمة، وليس هندسة الحياة السياسية التى هى مهمة السياسيين.
وبالتالى فكلما اقتربت الحكومة من الناس قل اعتمادها على أجهزة الأمن مع أهمية دور الاخيرة بطبيعة الحال.
حينما يشعر غالبية الناس بأن الحكومة تضع خططا وسياسات اقتصادية حقيقية، ويتم ترجمة ذلك فى توافر احتياجات الناس الأساسية، لن يستجيبوا لأى دعوات تظاهر هنا أو هناك.
حينما يجد الناس أن أجهزة الحكومة تراقب وتتابع التجار والسائقين وتمنعهم من رفع أسعار الخدمات بصورة جزافية والانفراد بالمواطنين، فلن يكونوا مضطرين للتظاهر أصلا، ناهيك عن الاستجابة لأى دعوة لذلك.
حينما يلمس الناس خطوات جادة فى مكافحة الفساد ومطاردة الفاسدين، فسوف يصدقون لاحقا أى خطوة أو قرار تتخذه الحكومة حتى لو كان مؤلما وصعبا.
حينما يرى الناس الحكومة تتقشف وتتوقف عن البذخ والسفه، فسوف يبدأون فعلا فى الاستجابة لنداءات الحكومة بالتقشف، لكنهم لن يفعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم.
حينما يشعر الناس أن الدولة تعاملهم على قدم المساواة، وليس على أسس أخرى مثل «انت ابن مين» أو لأنك تعمل فى هذه الجهة أو تلك، وحينما تتاح الفرص بصورة عادلة أمام الجميع، فسوف يتوقف الناس عن الاستجابة لأى دعوات للتظاهر.
إذا حصل كل ما سبق أو حتى نصفه، فإن أى دعوات مهما كان اسمها براقا، أو تلعب على وتر الفقر والجوع والأزمة الاقتصادية، لن تجد أى صدى فى الشارع.
عن تجربة شخصية فقد شاهدت مواطنين غلابة فعلا نزلوا فى 30 يونيو ضد الإخوان وشاركوا فى كل الفعاليات اللاحقة من أول التفويض إلى الاستفتاء على الدستور وانتخاب الرئيس السيسى نهاية بالانتخابات البرلمانية الأخيرة. بعض هؤلاء صار معارضا شرسا ليس حبا فى الإخوان، ولكن زهقا وطهقا وبؤسا من الأحوال الاقتصادية الصعبة التى طحنت الكثير من الغلابة.
بطبيعة الحال هناك حاجة ماسة لاتخاذ إجراءات مؤلمة تعالج التشوهات الاقتصادية طوال السنوات والعقود الماضية، والحلول قليلة والموارد شحيحة. لكن المهم رغم كل الظروف هو أن يشعر الناس بصدق الحكومة وجديتها فى مواجهة الفساد. لو حدث ذلك فسوف تستطيع الحكومة المضى قدما سياسيا واقتصاديا. لكن لو حدث العكس، فسوف تتكرر دعوات 11/11 و12/12 أو حتى 13/13!!!.