تناولت تقارير حقوقية كثيرة أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ورصدت الانتهاكات التي يتعرّض لها مواطنون في أماكن الحبس الاحتياطي والسجون وأقسام الشرطة.
ولكن تقرير «التغريبة الثالثة: عن هجرة ورحيل المصريين غير الطوعية للخارج» الصادر عن «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، يتناول قضيةً جديدة نسبياً على تقارير حقوق الإنسان، وهي قضية الفرار من المناخ الأمني والسياسي لمعارضين سياسيين، سواء كانوا ملاحقين رسمياً، أو محاصرين بشكل غير رسمي.
وكما يوضح أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية خالد فهمي في مقدمة التقرير، فالنفي للخارج ليس إجراءً قانونياً تتخذه السلطة، حيث يتناقض ذلك مع الدساتير المصرية المتعاقبة بعد ترسيخ مفاهيم الوطنية والمواطنة، ولكنّه أصبح «نتيجة انتهاج الدولة مؤخراً ممارسات غرضها الواضح إغلاق المجال العام ومصادرة العمل السياسي ورفع كلفة ممارسته».
التقرير يتناول 31 حالة فقط من المهاجرين المصريين، استبعدت منهم تسع حالات، حرصاً على عدم تحديد شخصياتهم، ما قد يعرضهم للملاحقة. ورغم ذلك، حافظ التقرير على التنوّع في الشهادات، حيث جاءت من ثماني دول في المهجر، عربية وأوروبية وآسيوية، فضلاً عن الولايات المتحدة.
كما تناول حالات لمطلوبين رسمياً، وحالات أخرى لمن هاجروا فقط تحت ضغط المناخ الأمني، ومن تلقوا تهديدات غير رسمية أو حصاراً في العمل وتضييقاً في الحركة. وتنوّعت الحالات في انتماءاتها السياسية والفكرية، فضمّت مهاجرين من تيارات سياسية وفكرية مختلفة، حتى أن من بينهم من هاجر العام 2012 بعد تصاعد التطرّف الديني، ومنهم المنتمون لجماعات دينية هاجروا بعد «30 يونيو».
ومثلما يرصد التقرير أسباب الهجرة، أو «الاختيار المرّ» كما يسمّيها التقرير، يرصد ظروف حياة المغتربين في الخارج، حيث مصاعب البحث عن عمل، والخوف من العودة، وصعوبة التعامل مع السفارات المصرية في الخارج.
وعن الرغبة في العودة، هناك أربع حالات فقط من بين 31 حالة، أعلنت عدم رغبتها في العودة، بينما هناك 28 حالة ممن يريدون العودة إلى مصر، ولكن يمنعهم الخوف من الملاحقة الأمنية أو التوقيف في المطار، كما حدث بالفعل لآخرين.
لا يحمل التقرير إحصائيات واضحة عن عدد من اضطروا للهجرة هرباً من المناخ الأمني أو التضييق في العمل. وقد يكون من السهل حصر عدد المطلوبين في قضايا أو الصادرة بحقهم أحكام غيابية. كذلك، من السهل حصر الأسماء المعروفة من الإعلاميين والسياسيين الذين اختاروا البقاء في الخارج بعد تتابع الأحداث منذ الثالث من تموز العام 2013، مثل باسم يوسف ويسري فودة وبلال فضل ومحمد البرادعي. ولكن هناك العديد من الأشخاص الذين يصعب حصرهم، إما لأنهم غير مشهورين، أو لأنهم غير مطلوبين رسمياً أمام المحاكم.
مدير «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» جمال عيد يقول في حديثه لـ «السفير» إن «أعداد من هاجروا في التغريبة الثالثة يفوق من هاجروا في التغريبتين الأولى والثانية، ويقدر بالآلاف. كما يتميز من هاجروا في التغريبة الثالثة بعدة مميزات واضحة جداً، أولاها هو التنوع، فليسوا من اتجاه سياسي أو فكري واحد. التغريبة الأولى كانت للإخوان المسلمين عقب العام 1954، والتغريبة الثانية كانت لليسار والقوميين عقب العام 1977، أما التغريبة الثالثة، فشملت إخوانا ويسارا وليبراليين، ومختلف الانتماءات السياسية والفكرية، وهذا يعدّ ردا على من يقولون إنهم إخوان فقط».
ويضيف «كذلك التنوع في دول المهجر، ففي التغريبتين السابقتين كانت الوجهة محددة، مثل السعودية للإخوان أو روسيا لليسار والقوميين، أما التغريبة الثالثة، فتوجهت لدول أوروبية وآسيوية وعربية فضلاً عن أميركا. كما أن متوسط الأعمار في التغريبة الثالثة أقل من سابقتيها عموما. كما أن التغريبة الثالثة مليئة أكثر بالكفاءات والمواهب».
ويؤكد عيد «الهدف من التقرير ليس تقديم إحصاءات، ولكن حالات إنسانية، أردنا توضيح ما يعانيه الذين هاجروا هرباً من المناخ الأمني والسياسي، وهذا في حدّ ذاته يوضح طبيعة هذا المناخ. فظروف من سافروا سيئة للغاية، والأكيد أن ما هربوا منه كان أسوأ».
بالنسبة لمن حصلوا على أحكام مشدّدة بالسجن، أو قضوا سنوات في الحبس الاحتياطي بسبب مرورهم بالصدفة إلى جوار تظاهرة، أو بسبب ارتداء «تيشيرت» تحمل شعاراً ضد التعذيب أو الذين لقوا حتفهم في تجمّع سلمي حتى وإن كانوا يحملون الورود، فإنّ من تمكّنوا من الفرار للخارج محظوظون. ولكن ما يعرضه التقرير من أسباب هجرة هؤلاء، والظروف التي يواجهونها في الخارج، وعدم قدرتهم على العودة، وعدم قدرة بعضهم على وداع أحد أفراد عائلته قبل موته، يوضح أن من اضطروا للهجرة ليسوا أوفر حظاً ممن بقي في الداخل.