الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

الحياة تتوقف فى الثامنة ليلًا

الحياة تتوقف فى الثامنة ليلًا
فى الثامنة ودقيقتين مساء الاثنين قبل الماضى «7 نوفمبر» حاولت الدخول إلى صيدلية كبرى فى قلب مدينة ميونيخ الألمانية، تواجه محطة السكة الحديد. داخل الصيدلية كانت هناك سيدة تتولى عملية البيع وأمامها اثنان من الزبائن رجل وسيدة، فى حين كان الباب الرئيسى للصيدلية مغلقا.

لوحت بيدى للبائعة محاولا الدخول، وأشارت هى إلى ساعتها كى تقول لى، إن الوقت قد انتهى.

أخرجت الرجل والمرأة من باب جانبى، فأسرعت إليها وحاولت مناقشتها واستعطافها بالطريقة المصرية التقليدية، فكانت السيدة شديدة التهذيب والصرامة فى نفس الوقت، ورفضت الاستماع إلى كلامى، مشيرة إلى لافتة معلقة على مدخل الصيدلية تقول إن العمل من الثامنة صباحا إلى الثامنة مساءً.

وعندما شكرتها مغادرا، قالت لى بالإنحليزية إننى يمكننى الذهاب إلى صيدلية فى مكان آخر تعمل فقط ليلا فى حال الطوارئ.

قبل العاشرة بقليل من صباح اليوم التالى الثلاثاء كنت أغادر المدينة فى طريقى إلى مطارها متجها إلى العاصمة برلين بصحبة خمسة زملاء صحفيين كنا نزور مصنع جرارات القطارات التابع لشركة سيمنس فى ميونيخ.

الملاحظة الأساسية التى لفتت أنظارنا أن الشوارع فى هذا التوقيت شبه خالية، باستثناء كبار السن تقريبا، والسبب والتفسير المنطقى أن كل شخص فى مقر عمله.

فى الليلة السابقة للسفر مباشرة تأخرنا فى الذهاب لأحد المطاعم التى كنا قد حجزنا فيها تناول العشاء، وعندما وصلنا متأخرين أخبرونا بأن أمامنا ساعة واحدة فقط لتناول العشاء لأنهم مضطرون للالتزام بموعد الإغلاق فى العاشرة.

ونحن عائدون للفندق بعد العاشرة كانت الشوارع شبه مهجورة إلا من بضع سيارات والقليل جدا من البشر، وللصدفة سمعنا أصوات بعضهم اكتشفنا انهم عرب، ويبدو أنهم لم يتعودوا بعد على الطريقة الألمانية فى الحياة.

غالبية الألمان مثل الكثير من الأوروبيين يبدأون يومهم مبكرا جدا، وينامون مبكرا أيضا، المحلات معظمها يغلق فى الثامنة ليلا، ومطاعم قليلة تستمر حتى العاشرة والأجازة الأسبوعية السبت والأحد مقدسة، وبدءا من ظهر السبت وحتى صباح الاثنين فكل المحلات مغلقة بما فيها الصيدليات، باستثناء تلك التى تعمل كطوارئ.

وكالعادة بدأنا نقارن أحوالنا وأحوالهم، ومتى يمكن أن نصل إلى ما وصلوا إليه من نظام وانضباط؟!، ومتى تستطيع الحكوة المصرية أن تطبق فكرة إغلاق المحال فى العاشرة ليلا وليس الثامنة؟!
بطبيعة الحال الأمر ليس مجرد قرار إدارى تتخذه الحكومة وتنفذه، لأنها حاولت كثيرا من قبل وفشلت وآخرها كان عام 2012.

يوميا أمر على منطقة وسط البلد والمقاهى إلى تملأ شارع خيرت الرابط بين ميدان لاظوغلى وميدان السيدة زينب.

معظم المقاهى تعمل 24 ساعة تقريبا. فى مرات كثيرة اضطر للنزول من البيت لدواعى العمل فى الرابعة والخامسة فجرا لأجد أن شبابا كثيرين يلعبون الكوتشينة أو الطاولة أو أى شىء. هم «يعيشون حياتهم على المقهى تقريبا». هؤلاء ليسوا استثناء لأن المشهد يتكرر فى أكثر من مكان وليس وسط البلد فقط، وربما فى معظم المحافظات والمراكز.

نحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع فى هذه النقطة. قد يستغرق الأمر وقتا لكن علينا أن نبدأ. لابد أن تكون هناك سلطة قوية وحازمة وعادلة تطبق القانون على الجميع.

ليس من الحرية أن يتم ترك الشباب يسهرون حتى الصباح، كل يوم، يستهلكون صحتهم وشبابهم ووقتهم والكهرباء والمياه.

لا تمنعوا شخصا أن يسهر، لكن أغلقوا المقاهى ليلا بعد العاشرة، أغلقوا المحال واجعلوا الناس تتعود على العمل نهارا أو الاستيقاظ فجرا والراحة ليلا. هذا ما يفعله كل العالم المتحضر تقريبا.. فلماذا نكون استثناء وإلى متى نظل هكذا؟!
مصدر الخبر
الشروق

أخبار متعلقة