لم يكن احد يتخيل يوما ما أن يودع أمواله في البنك مقابل فائدة مستحقة عليه، حيث كانت هذه الفكرة بعيدة عن الأذهان بشكل كبير، ولكن منذ يونيو 2014 يلتزم البنك المركزي الأوروبي بسياسة أسعار فائدة سالبة بهدف إنعاش الاقتصاد، ولحق به المركزي الياباني وغيره من البنوك المركزية على مستوى العالم في نفس السياسة التي لا تزال غير منطقية حتى الآن ولكنها أصبحت رائجة بشكل كبير.
والمقصود بأسعار الفائدة السالبة -سعر الفائدة أقل من صفر- أن البنك المركزي والبنوك الخاصة تستوفي أسعار فائدة على الودائع لديها بدلاً من إعطاء فائدة عليها، أي أن البنوك عندما تحتفظ بودائع لدى المركزي تتجاوز نسبة الاحتياط القانوني عليها دفع فائدة له.
وأسعار الفائدة بصفة عامة هي إحدى أدوات السياسة النقدية، فيما تهدف الفائدة السالبة إلى تشجيع الأفراد والمستثمرين على الإنفاق لأغراض استهلاكية واستثمارية بدلاً من إيداعها لدى البنوك ودفع فوائد عليها، وهو ما سيقضي على الركود الاقتصادي.
على المستوى المصري نجد الوضع مختلف تماما، فالبلاد الآن بها أعلى نسب فائدة في العالم والتي وصلت إلى نحو 20%، فيما يفسر الاقتصاديين هذه الفجوة الكبيرة بين الفائدة في مصر والعالم بنسب التضخم المرتفعة جدا في مصر والمتدنية كثيرا في أوروبا وغيرها من الدول، ولكن هل يعتبر ذلك مبررا لوصول الفائدة إلى هذه المستويات الكبيرة؟.
"مصر العربية" ترصد أراء الخبراء حول هذه المفارقة خلال هذا التقرير:
قفزة التضخم
في البداية قبل الحديث عن الفائدة يجب أن تعرف أن معدلات التضخم في مصر قد قفزت إلى 16.4% خلال أغسطس الماضي، مقابل 14.8% في الشهر السابق عليه، ما يعد أعلى معدل ارتفاع منذ عام 2008، وذلك حسبما كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في بيان له.
وكان صندوق النقد الدولي قد توقع في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" ارتفاع معدل أسعار المستهلك في مصر إلى 18.2% خلال العام المالي الجاري، مقابل توقعات سابقة بلغت 9.5% في ذات التقرير الصادر في أبريل الماضي.
ويرى الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن البنوك كانت قد فقدت الكثير من ودائعها وفقاً لأحدث تقرير مصرفي وكان من الضروري رفع الفائدة لزيادة هذا الرصيد.
وأوضح "نافع" خلال تصريحات خاصة لـ"مصر العربية" أن رفع الفائدة اقترن بحاجة عاجلة لامتصاص الآثار التضخمية للقرارات الاقتصادية الإصلاحية الأخيرة، ومنها التعويم ورفع الدعم جزئياً وهذا المستوى المرتفع من الفائدة مؤقت ولذا فالشهادات الادخارية ذات العائد الكبير لا تزيد آجالها عن عام ونصف.
شهادات الإيداع
وكانت البنوك الحكومية الثلاثة في مصر، قد أعلنت اليوم الإثنين، أنها جمعت 142 مليار جنيه (7.88 مليار دولار) حصيلة بيع شهادات الإيداع الجديدة التي طرحتها عقب تعويم العملة.
وطرحت البنوك الحكومية الثلاثة، "الأهلي المصري"، و"مصر"، و"القاهرة"، شهادات بفائدة 16% و20% بعد تعويم الجنيه، بتعليمات من البنك المركزي المصري.
وقال رئيس البنك الأهلي المصري، أكبر بنك حكومي، هشام عكاشة، على هامش مؤتمر اقتصادي بالقاهرة، اليوم، إن "بنكه جمع 85 مليار جنيه (4.7 مليار دولار) من الأوعية الادخارية مرتفعة العائد التي طرحها بعد تحرير سعر الصرف".
من جانبه قال عاكف المغربي، نائب رئيس بنك مصر، ثاني أكبر بنك حكومي، إن مصرفه "جمع 45 مليار جنيه (2.5 مليار دولار) من الشهادات الجديدة".
وكشف رئيس بنك القاهرة، ثالث أكبر بنك حكومي، منير الزاهد، أن بنكه "جمع 12 مليار جنيه (666 مليون دولار)، بعد طرح الأوعية الادخارية الجديدة".
التسرب والسيولة
في المقابل قال الدكتور ضياء الناروز، الخبير الاقتصادي ونائب مدير مركز صالح كامل الاقتصادي، إن تجميع البنوك المصرية لمبلغ 142 مليار جنيه من خلال طرح شهادات استثمار ذات عائد 20%، خلال خمسة عشر يوماً، هو مؤشر هو واضح في دلالته على حجم المدخرات في الاقتصاد المصري، والتي تمثل مصدر التسرب من دورة الدخل، إلا أن هذا يتوقف بصورة رئيسية على حجم الحصيلة من خارج القطاع المصرفي لكي نتبين بطريقة أوضح حجم التسرب، وحجم السيولة الموجودة في الاقتصاد المصري.
وأوضح "الناروز" خلال تصريحات خاصة لـ"مصر العربية" أنه على أي حال فإن هذا الرقم قابل للزيادة، وهو أمر طبيعي في ظل الأوضاع السيئة التي يمر بها الاقتصاد المصري، في ظل إدارة اقتصادية تلجأ للمسكنات والحلول الوقتيه، بعيداً عن المعالجات السليمة والواقعية.
وأكد أن من طبيعي أن يلجأ أصحاب الفوائض المالية إلى الاستفادة من معدلات الفائدة المرتفعة، التي تمثل لهم استثماراً آمناً عديم المخاطر، ففي ظل بيئة طاردة للاستثمار غير مستقرة سياسياً وتشريعياً بها إدارة اقتصادية غير رشيدة، من البديهي أن يلجأ رأس المال إلى مصادر الأمان، على حد تعبيرة.
بيئة استثمارية
وكشف نائب مدير مركز صالح كامل الاقتصادي عن أنه في ظل الأوضاع الاقتصادية في مصر فإن مصادر الأمان لرأس المال هي الادخار، وتحويل رأس المال إلى عملة قوية وثابتة نسبياً مثل الدولار، وشهادات الاستثمار ذات العائد المرتفع، كما يحدث الان.
وشدد على أنه لو عملت الحكومة على توفير بيئة استثمارية مواتية لتحويل هذه المدخرات الموجودة في الاقتصاد المصري والتي تتعدى التريليون جنيه، بالإضافة إلى ما يتم ادخاره وهو رقم صعب تقديره، على محاولة الاستفادة من هذه المدخرات كفيل بإعادة الاقتصاد المصري إلى الحياة مرة أخرى، لكن الأمر يحتاج إلى إدارة اقتصادية رشيدة تدعهما إدارة سياسية ذات مصداقية وقبول لدى المجتمع المصري.
معدلات النمو
جدير بالذكر أن 69 % من الأوروبيين فضلوا وضع أموالهم فى حسابات توفير، برغم أن البنوك لا تدفع لهم أى عوائد على مدخراتهم، فيما يرغب 29 % من الأوروبيين فى تحويل مدخراتهم إلى الخارج للهروب من الأزمة المالية التى تعانى منها بلادهم مثل اليونان، وذلك حسبما كشف مسح أجرته شركة إنترام جاستيتيا السويدية فى شهر سبتمبر.
من جانبه أكد محمد عبدالحكيم، الخبير الاقتصادي، أن سعر الفائدة يختلف من بلد لآخر طبقا للظروف والمحددات الاقتصادية، فمعدلات النمو فى اليابان والدول الاسكندنافية متدنية للغاية مقارنة بمعدلات النمو فى الدول النامية، ومن ثم فإن معدلات التضخم تتباين تباينا كبيرا، ما يدفع البنوك المركزية فى تلك الدول إلى رفع معدلات الفائدة لمستويات تتناسب مع معدلات التضخم للسيطرة عليها وتدعيم قيمة العملة المحلية.
وأضاف "عبد الحكيم" خلال تصريحات خاصة لـ"مصر العربية" أن البنوك المركزية تلهث لجمع كميات أكبر من النقود من الأسواق عن طريق ترغيب حائزى الاموال لإيداعها فى البنوك عن طريق رفع أسعار الفائدة، وهو عكس ما يحدث فى بعض البلدان التى تعمل جاهدة لزيادة المعروض من النقد لتحفيز الاسواق بتحفيز الطلب أملا فى تحسين معدلات النمو.