أمر غريب يحدث في الأيام الأخيرة في صفوف رجال اليسار الإسرائيلي: هم يشعرون بالصدمة جراء موجات اللاسامية التي استفاقت في الولايات المتحدة منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا. وفضلا عن ذلك، هم مصدومون من الحكومة الإسرائيلية التي لا تهرع الى إدانة هذه اللاسامية بشدة والوقوف إلى جانب جزء من شعبها، وقطعة من لحمها. فالأمر يتعلق بيهود. وهم أخوتنا. أليس كذلك؟
وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كنا على ارتباط بهذا القدر الوثيق مع أخوتنا اليهود في الشتات لأنه نشر طوال أسبوعين بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا في شبكة سي إن إن أنه تم تسجيل أكثر من 700 حالة كراهية في الولايات المتحدة، ربما ما يلقي الضوء على بضع حقائق تخص يهود العالم في نظر رجال اليسار الخائفين إلى هذا الحد على سلامتهم. الأولى أنه في العام 2015 سجلت في الولايات المتحدة 5479 جريمة كراهية، بينها حوالي الربع على خلفية دينية، وشكل الضحايا اليهود لهذه الجرائم نسبة 58 في المئة. وقد ازدادت جرائم الكراهية في الولايات المتحدة هذا العام بنسبة 31 في المئة مقارنة بالعام الذي سبق. والثانية أنه في العام 2015 سجلت في فرنسا 719 جريمة لا سامية، وفي ألمانيا وصل عدد الحالات اللاسامية الذروة، وفي بريطانيا سجلت زيادة بأكثر من 50 في المئة في الجرائم على خلفية لا سامية. والثالثة أنه نشر في صحيفة «واشنطن بوست» قبل حوالي شهرين مقالة تصف الإسكات والملاحقة في الأحرام الجامعية في الولايات المتحدة ضد الطلاب اليهود.
وواقع أن رجال اليسار توقفوا فجأة عن تجاهل أحداث لا سامية في الخارج أمر مفرح بحد ذاته. ولكن يصعب اتهام رجال اليمين الذين يتذكرون استخفاف اليسار بالصلة الواضحة بين الميول الموالية للفلسطينيين والارتفاع في مشاعر العداء للسامية. وهم لا يشترون بسهولة القلق المفاجئ من جانب اليسار على سلامة اليهود، وإنما يرون في ذلك مجرد ذريعة أخرى للخروج ضد ترامب، ولا تهمهم ما ستكون عليه النتيجة.
من جهة أخرى، إن عددا غير قليل من رجال اليمين يلوحون بالتقارير الأخيرة حول العنف ضد اليهود، وهو تلويح أحمق وأعمى بالضبط بالدرجة نفسها. فيا رفاق، عليكم اتخاذ القرار، إما أن أمر إخوتنا اليهود في الشتات يعنيكم، وإما أنه لا يعنيكم. فإذا كان حقا يعنيكم، فمن المنطقي أن تشعروا بالصدمة أيضا حينما يتم إسكات يهود في الأحرام الجامعية فقط لأنهم لا يعارضون الاحتلال. وإذا كان يعنيكم، من المنطقي أن تشعروا بالصدمة من كل ما ينشر حاليا عن اللاسامية الصاعدة في أوروبا. ولكن إذا كان يهمكم، عليكم أن تفهموا أنه حتى إن كان ترامب سيغدو رئيسا رائعا، فإن الأمور كلها لا تبدأ ولا تنتهي به وبميوله. نعم، من السهل تصديق أن ترامب شخص موال لإسرئيل وأنه لا يكره اليهود، وأن ابنته المحبوبة إيفينكا تهودت لأنها تزوجت من يهودي.
ولكن لأقواله ضد المكسيكيين والمسلمين عواقب أيضا. والحديث يدور عن تصريحات تحظى بالتعاطف من جانب جماعات متطرفة تكره الأقليات ولا تخجل من العنصرية التي تبديها. والكراهية البدائية لا تفرق بين يهود ومسلمين وسود ومكسيكيين. إن المقاربة المتطرفة تعرض للخطر أيضا اليهود في الولايات المتحدة، وإذا صار يهود أميركا يعيشون في خطر، فإن هذا سيصل أيضا لليهود الإسرائيليين.
وغريب جدا أننا بحاجة لتوضيح هذا الكلام، لأن الأمر ظاهريا يتعلق بأمور مفهومة بداهة. ولكن يتبين أنه في عهد الرواية السياسية العمياء، كلنا نختار أن نكون يهودا فقط عندما يكون الأمر مريحا لنا من الناحية السياسية. وننصدم من اللاسامية ظاهريا ولكننا فعليا منشغلون بدعاية ليس فيها لا رحمة ولا أخوة حقيقية. إذن اتركوا سجال اليمين واليسار الأحمق الذي يتغلغل أيضا في السجال المعادي للسامية. إن اللاسامية بأي صورة كانت، سواء كانت مدفوعة من حركة كو كلوكس كلان أو من حركة BDS فإنها تتصل بنا جميعا وليس فقط بيهود الشتات.