بينما كنت أنا وزميلتي آنا جالسين أمام أجهزتنا ليلا نستكمل تركيب الفيديوهات والتسجيلات الصوتية، انتبهنا إلى أننا لم نلبث في أربيل إلا 48 ساعة بينما بدا كأننا امضينا وقتا أطول بكثير.
في تلك الفترة الوجيزة، شاهدنا المستوى المرتفع من الوجود العسكري المعتاد في هذا البلد، ومعجزات تنظيمية من قبيل مخيمات النازحين التي نصبت في الصحراء خلال أقل من شهر وهي الآن مأوى لقرابة 50 ألف شخص. صادفنا أطفالا، يعيشون في مناطق كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر عليها، وهم في وضع سوء تغذية أقرب ما يكون إلى الموت. لكننا رأينا أيضا أطفالا يلعبون ويغنون ويستمتعون مجددا بطفولتهم، بكل ما تحملها من فضول وشيء من الوقاحة، بعد أن قاسوا الأمرين تحت سلطة نظام قال لي آباؤهم إنه امتص منهم حب الحياة.

خلال زيارتنا، كانت معركة الموصل على أشدها. دعينا لزيارة المخيمات التي جهزت بسرعة فائقة لاستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين من مناطق القتال. لاجئون في بلدهم ورافضون الذهاب للعيش في أي مكان آخر، فهم يريدون البقاء أقرب ما يمكن من منازلهم.
في اليوم الأول، زرنا مخيم الجدعة في القيارة، شرق الموصل. منظمات خيرية، مثل "أنقذوا الأطفال" و يونيسيف، وجهت دعوة لي ولزميلتي آنا لزيارة المخيمات والالتقاء بالقاطنين فيه. من بعيد، كنا نسمع أصوات الغناء والهتاف تتعالى من أقسام الدراسة. كانوا يتعلمون الأبجدية باللغة الانجليزية.

بينما كنت أتجول في المخيم، اكتشفت فجأة أن مجموعة كبيرة تتبعني وكلهم يرغبون أن التقط لهم صورة. بعضهم كان يرفع إشارة السلام، ولو أنه كان علي أن أنبههم إلى الوضعية الصحيحة للأصابع.


خلال عبورنا نهر دجلة، تحت أنظار الميليشيا المسلحة والشرطة والجيش وعبر نقاط تفتيشهم، عثرنا على قرية تبدو لأول وهلة مهجورة.
بينما كنت أصور المنازل المدمرة والمفجرة، ظهر رجل ودعانا بإشارة من يده إلى دخول أحد المنازل. كل النوافذ كانت مهشمة، مثل حال كل المنازل الأخرى، لكن الأمر المختلف هو أن الانفجار حصل داخل المنزل لا خارجه. كان تفجيرا انتحاريا.
رغم الأضرار الكبيرة، فضلت العائلة تنظيف البيت والبقاء فيه، لعلمهم أنهم إذا غادروا فقد لا يجدوه حين يعودون إليه مجددا.

بينما كنا نسير نحو سيارتنا، دوى صوت انفجار كبير من منطقة مجاورة. إلتفتت حولي فلم أر أي شخص يركض. بعد أن اجتزنا علم كردستان في أحد الحواجز، شاهدت في الأفق سحابة دخان سوداء ترتفع من البئر النفطي الذي فجره مسلحو تنظيم الدولة الاسلامية وهم يفرون من المنطقة. السحب السوداء تحميهم من قصف الطائرات دون طيار.



في إحدى الخيم، رأينا طفلين هزيلين في وضع صحي خطر من قلة الغذاء. أشارت لي أمهما بالتقاط صورة لهما آملة أن تكون سببا في الاهتمام بهما. بعد زيارتنا، أخذت منظمات خيرية الطفلين إلى المستشفى.

الفارق بين السعيد والشقي، بين المتفائل والفاقد للأمل، لا يتعدى بضع خيم.
حين كانت زميلتي آنا في بث إذاعي حي، كان المتجمهرون حولنا في غاية الاحترام والهدوء، لكنهم لم تمالكوا ضحكاتهم حين عرفت بنفسي خلال البث. عرفت من محمد، الذي يساعدنا في الترجمة، أن إسمي قريب من كلمة بذيئة باللغة العربية.
أتقبل ذلك طالما بعث في نفوسهم شيئا من الترفيه الغائب عن حياتهم.