الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

دول تتصرف كالأيتام بعد فوز ترامب

دول تتصرف كالأيتام بعد فوز ترامب

لا تخفى الحيرة ولا يخفى القلق. هنا وهناك في العديد من العواصم حيرة وقلق، بل توتر في حالات واضحة. كان فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية سبباً كافياً لإثارة هذه المشاعر وغيرها. لا أتفق مع المغالين الذين ذهبوا إلى حد إطلاق نعت اليتيم على العالم الذي نعيش فيه منذ إعلان فوز ترامب. هؤلاء يعتقدون، وهم جادون في اعتقادهم، أن العالم عاش عقوداً عديدة في حال سلم نسبي بفضل احتكار أميركا لكثير من مظاهر القوة المادية والعسكرية واحتكار رئيسها لنفوذ ولقب زعامة العالم. هذا اللقب التصق إعلامياً وأحياناً سياسياً في الأذهان بشخص الرئيس الأميركي منذ لحظة فوزه وحتى نهاية ولايته. توارثته ثقافات دول الغرب والدول الحليفة والصديقة لأميركا. لم يشذ رئيس أميركي عن الاستمتاع باللقب منذ عهد فرانكلين روزفلت وحتى عهد باراك أوباما. المغالون حول مستقبل الولايات المتحدة وآخرون يخرجون الآن جماعات وأحزاباً وفرادى للترحيب بنهاية حكاية زعامة فرد أو زعامة دولة للعالم. هؤلاء جميعاً يثقون في أن فوز ترامب بمنصب رئاسة أميركا كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر هذه الحكاية. قد تعود أميركا عظيمة ولكنها لن تعود زعيمة ولن يكون رئيسها زعيماً. هذه هي قناعة الكثيرين.

 

 

***

 

 

كثيرون في الغرب وخارجه لم يصدقوا بعد أن الأميركيين اختاروا ترامب رئيساً لهم. أما وقد اختاروه فعلاً، وهذا حقهم، فقد أصبح من واجبنا أن نلفت انتباههم إلى أنهم إذا كانوا مارسوا حقهم في الاختيار فليس من حقهم بعد أن اختاروا هذا الرجل بالذات رئيساً لهم أن يكرروا ما درجوا على فعله في الماضي، وهو أن يفرضوه على العالم بأسره زعيماً. فعلوا ذلك في مرات عدة، بل فعلوها في كل مرة جاؤوا برئيس جديد تحت زعم أنه زعيم كل الأميركيين أو زعيم الغرب أو زعيم العالم الحر، واعتقاداً منهم أن الغرب هو كل شيء، هو الحضارة وهو الثقافة والأمل والمستقبل وهو العلم والفن. تخيلوا، ومنهم رؤساء لأميركا ومفكرون، أن لا شرق في العالم أو جنوب أو شمال، العالم هو الغرب ولا شيء آخر. كذا استقر اعتقادهم لعقود عديدة إلى أن جاء ترامب كنتيجة مأسوية لعهود من التدهور في أميركا والغرب ونذيراً بما هو آت.

 

 

في أميركا الآن رئيس منتخب لا يحظى بقبول نسبة معتبرة من الأميركيين ويكاد يكون مرفوضاً من قادة عديدين في الغرب وفيما يسمى العالم الحر وبين طائفة حلفاء أميركا وأصدقائها التقليديين. يقول بعض هؤلاء إن هذا الرئيس الأميركي لن تقبل به شعوبنا زعيماً، ولن نقبل به نحن أنفسنا كقادة في شعوبنا زعيماً لنا، وأسبابنا في رفضه موضوعية وغير قليلة.

 

 

***

 

 

اشتق رؤساء أميركا لقب الزعامة من وضع بلدهم ومكانته في مركز القيادة. كانت أميركا قادرة ومؤهلة لممارسة الزعامة حين كانت قوتها الاقتصادية والعسكرية تسمح لها بذلك. لقد تأكد إلى درجة كبيرة أن أميركا فقدت في عهد باراك أوباما قدراً معتبراً من سمعتها المكينة كأعظم قوة ظهرت في التاريخ. كانت أميركا حتى وقت قريب قادرة على أن تتدخل لتسوية مشكلة إقليمية كما كانت تحاول أن تفعل مع الصراع العربي - الإسرائيلي وتتدخل لتسوية مشكلة داخلية كما فعل كلينتون عندما تدخل لتسوية المشكلة الإرلندية. يحسب لها على كل حال تدخلها في عهد باراك أوباما لتسوية قضية دولية كما فعلت مع قضية النووي الإيراني. يحسب عليها الآن أنها توقفت بصفة عامة عن التدخل بل توقفت عن ممارسة «زعامتها»، ما دفع بالشكوك إلى أقصاها حول حقيقة ما وصلت إليه هذه الزعامة، وأنها ربما فقدتها بالفعل ولم يبق منها سوى جانبها الشرفي. استحضر معلق في صحيفة أميركية كبيرة حكاية جائزة نوبل للسلام التي استلمها باراك أوباما بإلقائه خطاباً شهيراً مفعماً بعبارات الحرج. أوباما نفسه لم يصدق يومها أنه يستحق الجائزة لأنه لم ينجز في هذا المضمار ما يجعله يستحقها. بل رأينا بأنفسنا أنه لم يكن يتصرف في بعض مؤتمرات القمة الدولية بما يتناسب مع مكانته كزعيم للعالم. في تصوري أنا وآخرين أن دونالد ترامب لن يدعي الزعامة ولا يتمناها لأنه يدرك أن أميركا لم تعد عظيمة ويدرك أيضاً أن للزعامة تكلفتها الباهظة على دولة مثقلة بالديون وعليه هو شخصياً كرجل أعمال.

 

 

***

 

 

من ناحية أخرى، كان لتهور أو عدم خبرة دونالد ترامب أثناء الحملة الانتخابية مفعول قوي في العالم الخارجي إلى درجة أثرت سلبياً في الالتزام باحترام أميركا الممثلة في رئيسها المنتخب. لن تستطيع قيادة أميركية بعد هذه الانتخابات إلا الاستمرار في اعتمادها على ولاء أتباعها في ما درجنا على تسميتهم دول العالم الحر. لقد أكدت تصريحات ترامب أن إدارته لن تحمل أميركا كلفة الدفاع عن الحريات والحقوق الإنسانية أو حماية الدساتير والقوانين. لن تهتم أميركا خلال السنوات الأربع المقبلة وربما أطول بنوعية الحكم في الدول الأخرى أو برغبات الشعوب. هكذا تضمن واشنطن- ترامب، أو بمعنى أدق واشنطن في ظل حكم شعبوي، رضى عدد كبير ومتزايد من حكام العالم مثل روسيا والصين ودول الشرق الأوسط وأفريقيا ومن نوع حكام تايلاند وبلغاريا وبولندا وتركيا. وهي على كل حال صفقة لا ينكرها الرئيس المنتخب. لن يتدخل في الشؤون الداخلية مقابل تيسير حصول أميركا على ميزات خاصة في التجارة والأعمال وبخاصة تجارة السلاح. هكذا يفقد ترامب فرصة أن يحمل لقب زعيم العالم الحر وتتراجع قيم الليبرالية وتزداد احتمالات انفراط الغرب وتدهوره. لا أظن أن القيادات الرأسمالية العاقلة في العالم الغربي تنسى حجم التخريب الذي أصاب عقيدة الرأسمالية قبل وخلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة على أيدي تحالف رجال المال والمصارف مع مضاربي العقارات وعلى رأسهم أمثال البليونير ترامب. لن تنسى أيضاً أن سلوك ترامب المعيب سواء في حياته الخاصة أو في أساليب إدارته لأعماله يمكن أن يصبح السلوك القدوة لشباب الرأسمالية في العالم بأسره.

 

 

***

 

 

من ناحية ثالثة، أفلح ترامب خلال شهور قليلة في تحويل الولايات المتحدة من مجتمع تعددي تندمج فيه أو تسعى للاندماج تكويناته العرقية والدينية إلى مجتمع متكون من أجزاء يناصب كل جزء منها العداء للأجزاء الأخرى. كان عملاً رخيصاً لا يقدم عليه سياسي عاقل حين أثار المرشح للرئاسة غضب شرائح في المجتمع ضد المسلمين ثم ضد المكسيكيين، وبقليل جداً من الكياسة تعامل مع الأميركيين من أصول أفريقية وآسيوية ومع نساء أميركا. كانت أميركا نموذجاً معقولاً لمجتمع استخدم أساليب مختلفة لإدارة عملية صهر المهاجرين في بوتقة قيم غربية - أميركية، فجأة خرج ترامب ليعلن بكل صراحة وجسارة أن المجتمع الأميركي هو في الأصل وسيبقى مجتمع الرجل الأبيض. ولسوء حظه وحظ جماهيره لم يعد للرجل الأبيض ما كان له من نفوذ وريادة في المجتمع. أما صدى ما فعل فالمؤكد أنه وقع كالزلزال على منظومة السياسة في أوروبا. هناك في هذا الجزء من الغرب (الليبرالي والمتحضر) تتقدم الآن في الانتخابات أحزاب ترفع شعارات تطرف عرقي تهدد بإعادة أوروبا إلى زمن الحروب التي دمرتها مراراً. أكاد أجزم ببعض المبالغة أن ترامب بفوزه في انتخابات بلاده وضع أوروبا على طريق تحف به الأخطار، ليس فقط لأنه قد يمعن في الاستمرار في ممارسة بعض أسوأ سياسات أوباما بتجاهل أولويات الحلف الغربي ولكن أيضاً لأنه أيقظ في العالم فتنة نائمة أو لعله تعمد أن يسكب زيتاً على النار المشتعلة فيها، أقصد فتنة سيادة الرجل الأبيض ورسالته.

 

 

***

 

 

لا أدري، في الحقيقة، إن كان العالم يستطيع الاستمرار في حالته الراهنة لوقت أطول في غياب زعامة أميركية فاعلة. أعرف أن العالم كما نعرفه لم يجرب من قبل، وأعرف أيضاً أن الكثير من الحادث حالياً لم يحدث من قبل. تعيش الشعوب هذه الأيام حالة فريدة من اللااشتراكية واللارأسمالية والارتباك الاقتصادي والاجتماعي، وحالة من اللاسلم واللاحرب ولكن مع كثير جداً من السلاح والمسلحين، وحالة من تسريع مفاجئ وسافر للصعود نحو القمة من جانب روسيا والصين، وحالة من توجس رهيب من هيمنة أدوات وأسلحة الحرب الإلكترونية وانهيار كل جدران السرية والخصوصية العامة والفردية، وحالة توقع مرحلة انهيار كامل للحقوق والحريات والعمل الديموقراطي في ظل هيمنة دكتاتوريات شعبوية.

 

 

حالات حادثة بالفعل أو متوقع أن تحدث بينما هناك عند القمة زعامة أميركية غائبة وبديل لها غير قائم أو غير جاهز.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة