الأحد 5 يوليه 2026 — القاهرة

«الماضي دائماً أرض مختلقة» ذاكرة القاهرة في تفاصيل صغيرة

«الماضي دائماً أرض مختلقة» ذاكرة القاهرة في تفاصيل صغيرة

يمثل عرض «الماضي دائماً أرض مختلقة» حدثاً استثنائياً بين العروض التي تستضيفها مؤسسة «تاون هاوس» للفنون المعاصرة في القاهرة. ويحتل هذا العرض معظم المساحة المخصصة للعروض الفنية ويضم مجموعة ضخمة من مقتنيات أحد هواة جمع الأشياء القديمة.

وضعت المعروضات من دون ترتيب أو سياق زمني أو تصنيف لمحتواها. ويثير العرض، من دون قصد، تساؤلات حول ماهية العمل الفني وطبيعته كمثير بصري في المقام الأول، وحامل علامات استفهام أو قضايا مشتركة بين صاحب العمل والمتلقي.

ففي حين لا يدعي صاحب المقتنيات أمجد نجيب أنه ينشئ عملاً فنياً بالمعنى المباشر، لا يمكن النظر إليه في الوقت نفسه كمجرد استعراض لمجموعة من المقتنيات الشخصية. فالعرض يحمل إيحاءاته الخاصة مؤكداً في بعض جوانبه المسافة التي تفصل بين ما هو شخصي وما هو عام.

هو ولوج في قلب تجربة حياتية تتسم بالخصوصية، تجربة تحمل أبعادها البصرية الدالة والمرتبطة بسياق الحياة في مدينة مثل القاهرة. نحن هنا في مواجهة مباشرة مع تاريخ طويل من التفاصيل، واشتباك مع تجربة خاصة تحمل الكثير من نقاط التواصل مع سكان هذه المدينة والعابرين عليها. نجيب الذي يعرّف به، وفق البيان المصاحب للعرض، على أنه «جامع للأعمال الفنية والأشياء العابرة وغيرها من رفات ماضي مصر المعاصر»، يجد صعوبة في تصنيف نفسه مقتني أعمال فنية أو جامع «أنتيك». يمكنك التماس هذه الحيرة حين تتطلع إلى محتوى مجموعته الضخمة من المقتنيات التي بدأ جمعها منذ ثمانينات القرن العشرين. فإلى جانب الأعمال الفنية التي يقتنيها لفنانين مصريين معروفين، رسوم ولوحات أقل قيمة لفنانين أو رسامين مجهولين.

وهناك تماثيل من الحجر والبرونز والخشب عرضت من دون عناية إلى جوار مقتنيات أخرى بعيدة الصلة مثل علب السجائر وتذاكر الترام القديمة وصور فوتوغرافية بالأبيض والأسود وزجاجات عطر وأوراق ودفاتر تجارية. هناك أيضاً أدوات معلومة وأخرى مجهولة الاستخدام، بعضها رديء القيمة وبعضها الآخر مصنوع بعناية من المعدن أو الجلود الطبيعية أو الأخشاب الثمينة.

في أحد أركان مساحة العرض، انتصب تمثال كان يمثل جزءاً من واجهة مبنى قديم في وسط القاهرة هدم عن قصد كما يقول نجيب، وفي ركن آخر تستقر آلة بيانو معطَّلة، وإلى جوارها عدد من الـ «مانيكانات» القديمة كانت تمثل جزءاً من ورشة لتفصيل الملابس أو بيتاً للأزياء. يحكي الرجل بشغف كيف عثر على عشرات الفساتين القديمة التي تعود إلى أحد مصممي الأزياء العالميين داخل واحد من البيوت التي هجرها أصحابها، أو طريقة حصوله على ذلك الأرشيف من الصور الفوتوغرافية، وكيف تحوَّل بحثه عن تلك الأشياء إلى شغف حقيقي بتقفي أثر السنوات. كل مفردة من هذه المقتنيات تحمل تاريخها الخاص وذكريات أصحابها. كلها أشياء جمعت على مدى سنوات من الأغراض الشخصية لأفراد وعائلات من مصر وغيرها من الدول، تشاركوا ذات يوم فضاء هذه المدينة التي اتسع صدرها لثقافات مختلفة.

جزء كبير من هذه المقتنيات له علاقة بالتغيرات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المصري، خصوصاً التغيرات التي انعكست على طبيعة النمط الاستهلاكي لسكان المدينة، أو بالأحرى على الطبقة الوسطى التي نحرت أطرافها مع السنوات. قد يثير العرض في داخلنا تساؤلاً ممزوجاً بالدهشة حول الدافع الذي يدعو رجلاً مثل نجيب إلى جمع هذا العدد الكبير من الخطابات والرسائل الخاصة لأشخاص لا يعرفهم، أو اهتمامه إلى حد الولع بجمع هذا الكم من الأقلام وتذاكر الترام والصور وإعلانات الصحف والزجاجات والهواتف، كأنه يجمع شتات الذاكرة البصرية لسكان القاهرة قبل أن تضيع، أو أنه يقتفي أثر هذه العلامات المميزة لأسلوب الحياة في قاهرة الأيام الخوالي.

«الماضي دائماً أرض مختلقة» هو عنوان لافت لعرض يتتبع سيرة القاهرة المعاصرة بحاناتها وأبنيتها وتحولاتها. إن وجود جامع المقتنيات أمجد نجيب في قلب القاهرة أكسبه ميزة المراقب لهذه التحولات. هو جامع للعناصر والإشارات الدالة عليها، وسواء كان يقوم بذلك عن قصد أم من دون قصد، فقد صنع أرشيفه الشخصي لكل ما يمت لأسلوب الحياة والتفاصيل اليومية لسكان المدينة، وهو يشاركنا الآن هذا الأرشيف، ويترك لنا حرية التطلع إليه وتلمسه عن قرب.


مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة