هناك هوّة سحيقة تفصل الرأي العام الغربي عما يُنشر ويكتب في الصحف ووسائل الإعلام العربية، فاللغة حاجزٌ جدّي في هذا السياق، إلى جانب تأثيرات حالة عدم الاكتراث لدى الكثير من الغربيين بمتابعة ما يُنشر في المنابر الإعلامية للعالم الثالث من منطلق القناعة بـ «التفوّق الثقافي». ولذلك ربما كان مستغرباً الاهتمام الذي أبدته صحيفة «الإندبندنت»، وتلتها فيما بعد جريدتا «التليغراف» و «الغارديان» وغيرهما، في مقال كتبته الصحافيّة المصرية نهى الشرنوبي ونُشر في صحيفة «الأهرام» ضمن زاوية «آراء حرة» بتاريخ (23 ـ 8ـ 2016) بعنوان: «هل يتم خداعنا إلى هذا الحد؟».
يبتدئ المقال بسرد حادثة حول إجبار طفلٍ مسلم على توقيع اعتراف بأنه إرهابي في إحدى مدارس نيويورك، وتنطلق الشرنوبي فيما بعد لتستنكر ربط الإسلام بالإرهاب وتشكك بالرواية الأميركية حول أحداث 11 أيلول وتشير إلى أن من نفّذ العملية تم تدريبه في معهد الملاحة الجوية الأميركية. تسرد الشرنوبي مجموعة من الأفكار المكرورة حول الفاصل الزمني بين التفجيرات والكيفية التي اخترقت فيها الطائرات المجال الجوي الأميركي بالرغم من تطوّر الأجهزة الأمنية. وتنتقل الكاتبة بصورة مشتتة لتناقش عدد الأجانب في تنظيم داعش، وتقّدم حججاً ضعيفة لإثبات أن داعش صناعة غربية حينما تكتب مثلاً: «ألم يكن غريبا أن يتميز كل أفراد المجموعة الداعشية بنفس طول القامة ونفس بياض اللون وأن يرتدون جميعا نفس النوع من أفخر أنواع الساعات الأجنبية؟!».
صحيفة «الإندبندنت» كانت السبّاقة إلى الاهتمام بما نشر في جريدة «الأهرام» فنشرت تقريراً بعنوان: «الإعلام المصري الرسمي يدّعي بأن داعش صنيعة أميركية وأن أحداث 11 سبتمبر نُفذت من قبل الغرب لتبرير الحرب على الإرهاب». يبتعد التقرير عن التحليل ويكتفي بعرض ترجمة لمقتطفات من مقال الشرنوبي مع الاكتفاء باستخدام عبارات من قُبيل: «تزعم الصحفية» و»تلقي ظلالاً من الشك»، مع التذكير في الختام بالمكانة المتراجعة لمصر على سلّم الديموقراطية وحرية الكلمة وفق تقديرات «مراسلون بلا حدود». سارعت صحف ومنابر أخرى لنشر ترجمة مقال الشرنوبي بسياسة «القص واللصق» من دون أدنى تعديل في مقال «الإندبندنت» الأصلي، وهي النسخة التي لا تزال قيد التداول إلى اليوم باعتبارها نموذجاً عن الصحافة المصرية.
ربما لا ينبغي هنا التوقف كثيراً عند أسماء المنابر الأميركية والغربية التي بادرت إلى نشر التقرير لأن «الإندبندنت» و «الغارديان» وغيرها، بالرغم من أهميتها، هي في هذه الحالة مجرد مستهلك أو ناشر لبضاعة يتم تصنيعها في مكان آخر. فاللاعب الأساسي هنا هو «مركز دراسات معهد الشرق الأوسط» (ميمري) الذي بادر إلى ترجمة المقال وتسويقه عبر صحف كبرى لم تكبد نفسها عناء البحث حول كاتبة المقال وتحديد مكانتها وحجم خبرتها ضمن الصحافة المصرية التي قدمت تاريخياً صحافيين وكتّاب عريقين كان ينبغي التوقّف عند ما كتبوه ترجمةً وتحليلاً. في ظل عدم إلمام الملايين حول العالم باللغة العربية، يكون لمعهد مثل «ميمري» دور محوري في اختيار ما يجب أن يعرفه الغرب عن الإعلام في الشرق الأوسط. فهو يلعب الدور التقليدي كـ «مصفاة» للأخبار أو «حارس للبوابة» يقرر ما هي المعلومات التي سيسمح بمرورها إلى ملايين القرّاء الجاهلين بالعربية.
نظرة واحدة على الصفحة الرئيسة لمعهد «ميمري» تكفي لكي يستشف المرء الاستراتيجية المتعلقة بما يراه جديراً «بالترجمة والنشر». فالمعهد الذي تأسس عام 1998 «بغية إثراء النقاش حول سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط» يترجم خطب الدعاة المسلمين الأكثر تطرفاً والذين يظهرون على القنوات الدينية المتشددة، ويعطي الأولوية لأخبار الإرهاب وكل ما يشجّع على الدموية والتطرف باعتباره يقدم صورة عن «إعلام الشرق الأوسط».
الشائك في القضية، أن الفرضية التي تقترح المسؤولية السياسية الأميركية عن أحداث 11 أيلول ودور الغرب في خلق «داعش» لها الكثير من المقوّمات والحقائق التي تجعلها جديرة بالنقاش عربياً وغربياً. وهو ما حصل فعلاً في الفيلم الشهير للمخرج الأميركي مايكل مور «فهرنهايت 11 سبتمبر» إلى جانب عشرات الكتب والدراسات المنشورة عبر منابر عربية أو غربية، بجهود جادة من محللين سياسيين أو مفكرين يقدمون دلائل مقنعة حول المكاسب الاقتصادية والسياسية للغرب في حربه على الإرهاب. ولذلك كان من غير المفهوم الاهتمام المتأخر بما كتبته الشرنوبي خصوصًا أن المقال يفتقد إلى البراعة في العرض أو عمق التحليل بحيث يبدو أشبه بثرثرة تنتقل من موضوع إلى آخر وتوزّع الاتهامات جُزافاً من منطق الدفاع الضيّق عن الإسلام أو حتى «داعش». لكن ربما هذا ما يصب في صلب مصلحة الميديا الغربية التي تريد أن تُظهر المنطق المشكك بمسؤولية الغرب في تغذية الإرهاب بمثابة «الخزعبلات» التي لا ترقى لمصاف الأفكار التي تستحق أن يقف المرء عندها.
حاجز اللغة بين «الإندبندنت» و«الأهرام»
مصدر الخبر
جريدة السفير