لا أراهن على شفاء النظام من تشوهات رؤيته المشهد الذى تسبب فيه ولا على تراجعه عن سياسة التدليس على عقولنا
نعى الدكتور حازم حسني الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، شهداء الشرطة الذين لقوا حتفهم أمس الجمعة في تفجير إرهابي بشارع الهرم.
نعى الدكتور حازم حسني الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، شهداء الشرطة الذين لقوا حتفهم أمس الجمعة في تفجير إرهابي بشارع الهرم.
وأكد حسني، في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، أن الحقيقة التى لا يريد الاعتراف بها خبراؤنا الأمنيون قد تجاوزت فكرة الإرهاب إلى فكرة استباحة الدولة، وأن من يستشهد من جنود الشرطة والجيش يدفعون ثمن الرؤى القاصرة للنظام وفشل السياسات التى أفرزتها هذه الرؤى القاصرة التى أوصلتنا لكل هذا المناخ المؤاتى لإحداث شروخ وتصدعات فى بنية الدولة المصرية، مؤكدًا أن رحيل هذا النظام صار حتمياً إذا ما أردنا لهذه الدولة أن تتعافى، وإذا ما أردنا لرجال الشرطة والجيش ألا يدفعوا ثمن الغيبوبة التى أدخلهم فيها النظام.
وكتب حسني:
«رحم الله كل إنسان لقى ربه وهو يؤدى واجبه، وغفر لمن أساء منا وهو لا يدرك أن أجله فى يد الرحمن يحدده كيفما شاء ... أقول هذا بمناسبة تفجير أمس الجمعة الذى استفزتنى كل التعليقات الإعلامية التى تناولته
استفزنى تعبير أن من فاضت روحه من رجال الشرطة إنما كان يجاهد فى سبيل الله، وثلاث عيون لا تمسها النار منها عين باتت تحرس فى سبيل الله ... هذه لغة تساوى فى المنطق بين رجل الشرطة وبين التكفيرى، فكلاهما يدعى - بهذا الحديث - أنه يعمل فى سبيل الله ... لماذا لا نترك الله يحكم لمن كان يعمل ابتغاء مرضاته، ويحكم على من كان يعمل لإفساد الحياة التى يريد الله صلاحها، ونكتفى بالدعوة لهما بالرحمة والمغفرة فى كل الأحوال ؟
رجل الشرطة الذى فاضت روحه إنما كان يؤدى واجبه فى خدمة الدولة المصرية .. هذا هو ما نعرفه عنه .. وعلى الدولة أن تكرمه وتعتنى بأهله فى الدنيا، ولا تتطوع بالتداخل مع حساب الله له فى الآخرة، فهو أمر لا يد لنا ولا للدولة فيه، بل هى إساءة أدب أن تدعى الدولة أو أن يدعى حاكمها أنه اطلع على الغيب، أو أنه اتخذ عند الرحمن عهداً !
استفزنى أيضاً حديث البروباجندا هذا الذى يحدثنا - وكأننا قطيع من الأوز يتم تزغيطه - عن أن شهداءنا ومصابينا من الشرطة والقوات المسلحة إنما يضحون بأرواحهم حماية للمدنيين، رغم أن كل الهجمات المسماة بالإرهابية لا تستهدف المدنيين وإنما رجال الشرطة والقوات المسلحة دون غيرهم (حتى وإن سقط مدنيون فى بعض هذه الهجمات) !
الحقيقة التى لا يريد الاعتراف بها خبراؤنا الأمنيون - أو من يتم تعريفهم على هذا النحو - هى أن هذه الهجمات، بطبيعة ما تستهدفه من قوات نظامية مسلحة، قد تجاوزت فكرة الإرهاب إلى فكرة استباحة الدولة، وأن من تفيض أرواحهم أثناء خدمتهم فى الشرطة والقوات المسلحة إنما يدفعون ثمن إخفاق النظام فى تقديم نموذج ملهم للحكم، وثمن رؤى قاصرة عن إدراك كثير من حقائق الحياة المدنية التى هى عصب استقرار الدولة، وثمن فشل السياسات التى أفرزتها هذه الرؤى القاصرة التى أوصلتنا - بعد أكثر من ثلاث سنوات - لكل هذا المناخ المؤاتى لإحداث شروخ وتصدعات فى بنية الدولة المصرية !
لا أرانى أراهن على إفاقة هذا النظام من غيبوبته، ولا على شفائه من تشوهات رؤيته للمشهد البائس الذى تسبب فيه، ولا على نراجعه عن سياسة التدليس على عقول المصريين؛ فرحيل هذا النظام صار حتمياً إذا ما أردنا لهذه الدولة أن تتعافى، وإذا ما أردنا لرجال شرطتنا ورجال قواتنا المسلحة أن لا يدفعوا ثمن الغيبوبة التى أدخلهم فيها النظام ليجدوا أنفسهم يدفعون ثمن هذا الادعاء المغرض بأنهم يحرسون المدنيين ويفتدونهم بأرواحهم، أو بأنهم يجاهدون فى سبيل الله على مذهب "إن الله معنا، واللى يقدر على ربنا يقدر علينا" !!
رحمنا الله جميعاً، أحياءً وأمواتاً ... لكن الله لن يغير ما بنا إلا إذا غيرنا نحن - وبإرادتنا الحرة - ما بأنفسنا من تشوهات، وإلا إذا أفقنا من الغيبوبة التى مازالت تسقط وعينا العام من معادلات التغيير !».