منذ الثالث من تموز 2013 وحتى الآن، صدرت حزمةٌ كبيرةٌ من التشريعات المنظمة للعديد من الأوضاع في مصر. ضمنها، كانت الوثيقة الأساسية للبلاد، الدستور، وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون الانتخابات، وغيرها من التشريعات الرئيسية.
لكن يبقى قانون التظاهر الصادر في أيلول 2013، هو التشريعَ الأكثر إثارةً للجدل في مصر، لا فقط لكونه صدر لتقييد الحقّ في التظاهر وإخضاعه لوزارة الداخلية، وتشديد العقوبات على المتظاهرين خارج نطاق القانون، ولكن لأن النظام الذي أصدر القانون في غياب البرلمان كان مديناً بوجوده في السلطة بالدرجة الأولى للتظاهرات الضخمة التي انطلقت في 30 حزيران 2013 لإطاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة «الإخوان المسلمين». وكأن النظام أراد بالقانون أن ينزع السلاح الذي أطاح سلفه خوفاً مما قد يواجهه مستقبلاً.
رسمياً، اعتُبِر القانون ضرورياً لمواجهة مظاهر العنف التي صاحبت ردّ فعل جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفائها على الإطاحة بمحمد مرسي. وروّج الإعلام للقانون كآلية مهمة لمواجهة الجماعات الإرهابية، وفرض النظام في الشارع، ولكن عملياً كان تطبيق القانون آليةً لمنع كل مظاهر الاحتجاج والتعبير في الشارع المصري، فاستخدم القانون ضد الاحتجاجات العمالية والطلابية التي لا علاقة لها بجماعة «الإخوان»، ولا بالسياسة أصلاً، ولم تنجُ محاولات إحياء ذكرى ثورة «25 يناير» (كانون الثاني) من تطبيق قانون التظاهر برغم الطابع السلمي لتلك المحاولات، وبرغم أنها لم تكن أصلاً تعبيراً عن معارضةٍ للنظام وقتها، حتى إن مسيرة صغيرة نظمها حزب «التحالف الشعبي» للاحتفال بذكرى الثورة في كانون الثاني 2015 كانت تحمل الورود في اتجاه ميدان التحرير، تمّ التعامل معها بالخرطوش، ما أسفر عن وفاة شيماء الصباغ التي كانت تحتفل بالثورة التي اعترف بها الدستور نفسه.
الحكمُ بعدم دستورية أحد مواد القانون حمل مفارقةً فريدة من نوعها. فالقانون صدر أثناء تولي المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية السابق، رئاسة الجمهورية بحكم منصبه القضائي. وبعد إجراء الانتخابات الرئاسية في 2014، عاد منصور لمنصبه رئيساً للمحكمة الدستورية العليا، حتى أحيل للتقاعد في نهاية حزيران الماضي قبل صدور حكم الدستورية بشأن قانون التظاهر. ولكن عدم دستورية أحد مواد القانون الذي أصدره يبقى مسألة لافتة للانتباه.
الحكمُ الذي صدر من المحكمة الدستورية العليا السبت الماضي قضى بمخالفة المادة العاشرة من القانون للدستور. وهي المادة التي كانت تُعطي الحقّ لوزير الداخلية بإلغاء تظاهرة تمّ الإخطار بها أو تغيير مكانها أو موعدها أو تغيير مسارها لاعتبارات أمنية، وبالتالي كانت المادة العاشرة تخضع الحق في التظاهر بالكامل للأجهزة الأمنية، بينما جاء الحكم ليعيد الاعتبار جزئياً لحقّ التظاهر بالإخطار وفقط، من دون تصريح ومن دون أن يكون لوزارة الداخلية الحقّ منفردة أن تلغي التظاهرة المقررة.
وبرغم أن الحكم بعدم دستورية المادة العاشرة يمثل انفراجة نسبية في قضية الحق في الاحتجاج والتعبير، إلا أن رفض الطعن في مواد أخرى، منها المواد التي تشدد العقوبات على المتظاهرين، يُقللّ من تلك الانفراجة. كذلك لم تصدر بعد المادة البديلة للمادة المطعون فيها، وهو ما ستحاول الحكومة بالتأكيد الاجتهاد فيه لتعويض عدم دستورية المادة العاشرة واستعادة السيطرة على الحق في التظاهر بطرق أخرى، عبر تعديل المادة.
ومن جانب آخر، صاحب الحكم بعدم دستورية المادة العاشرة رفض الطعن في المادتين 17 و 19، من القانون ذاته، التي تُقرر العقوبات على المتظاهرين وتتسمّ بالتشدد، ما يعني أن المسجونين بموجب قانون التظاهر لن يستفيدوا من الحكم الصادر. وتشير بعض التقارير الحقوقية إلى أن عدد المسجونين بسبب التظاهر يصل لنحو 37 ألف شخص، كان قبول الطعن في مواد العقوبات بالقانون سيعني إطلاق سراحهم. وكذلك المادة الثامنة من القانون التي تلزم منظمي التظاهرة بإخطار الجهات الأمنية، وهو ما استخدمته الداخلية في منع التظاهرات، ووصل الأمر حد اعتقال من يذهب لقسم الشرطة للإخطار بتنظيم تظاهرة.
القيود التي لا تزال مفروضة على الحقّ في التظاهر في القانون، والطريقة ذاتها التي تطبق بها الأجهزة الأمنية القانون، قد تقلل من أثر الحكم الصادر بعدم أحقية وزير الداخلية في إلغاء تظاهرة تمّ الإخطار بها من قبل، أو تغيير موعدها أو مكانها ومسارها. وكذلك الأمر لناحية ما قد تستبدل به الدولة المادة التي أبطلتها المحكمة الدستورية، ولكن كل ذلك لا ينفي قيمة الحكم الصادر، الذي يجعل الحق في التظاهر بالإخطار فقط لا بالتصريح.
ولكن بالنظر أيضاً إلى الفترة التي تمّ فيها تطبيق قانون التظاهر، سنجد أنه على الرغم من تشدد الأجهزة الأمنية في تطبيق القانون والتوسع في اعتقال المتظاهرين والتضييق على أي تجمعات احتجاجية، فإن ذلك لم ينجح بالكامل في القضاء على مظاهر الاحتجاج حتى عندما كانت التكلفة باهظة.
فالفترة التي طُبّق فيها القانون هي التي شهدت تظاهرات موظفي الدولة ضد قانون الخدمة المدنية وتلاميذ المدارس الثانوية ضد نظام التعليم، ومحاصرة أهالي حي الدرب الأحمر لمديرية أمن القاهرة احتجاجاً على مصرع أحد المواطنين جراء التعذيب، وغيرها من الاحتجاجات التي لم يوقفها قانون التظاهر.
وربما كان الاحتجاج على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في نيسان الماضي التحدي الأكبر الذي واجهه قانون التظاهر، إذ إنه وبرغم التهديدات المسبقة للمتظاهرين وبرغم نجاح الأجهزة الأمنية في منع التظاهرات يوم 25 نيسان، وبرغم التوسع في اعتقال المتظاهرين عشوائيا والأحكام المشددة الصادرة بحقهم، نجحت الاحتجاجات في خلق رأي عام رافض للتنازل عن الجزيرتين، ووضعت النظام في مأزق حقيقي.
أهمية الحكم الصادر ببطلان إحدى المواد المقيدة للحق في التظاهر، تأتي بالأساس من الظرف السياسي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد. ففي ظلّ غياب العمل السياسي المُنظَّم وضعف الأحزاب، وفي ظل هيمنة الدولة المباشرة وغير المباشرة على وسائل الإعلام، ومحاصرة العمل الحقوقي والأهلي، ومع إجراءات اقتصادية أثرت بشكل جوهري على مستويات الأسعار ووضعت أعباء الأزمة على كاهل الطبقات الفقيرة، فإن آليات الاحتجاج السلمي تصبح المساحة الوحيدة المتبقية تقريبا للتعبير عن تلك الأوضاع ومحاولة إصلاحها. وأي انفراجة مهما كانت متواضعة في قضية استعادة الحق في الاحتجاج تصبح فرصة لا يجب تفويتها.
حكم الدستورية في قانون التظاهر: انفراجة محتملة
مصدر الخبر
جريدة السفير